تقارير

الحرب التي تُدار من البنوك… ملف تمويل الصراع الذي يتجاهله العالم

في جبهات القتال بالسودان، تدوي المدافع وتتحرك المسيرات، وفي الوقت ذاته، وفي كواليس العواصم وبنوك الظل ومناجم الذهب، تُدار حرب ومعركة أخرى حقيقية وهي التي تقرر مآلات هذه الحرب أكثر مما تقرره خطوط التماس الميدانية في محاور القتال المختلفة في هذا البلد المنكوب.
فيما تتركز جهود الوساطة الدولية على محاولات التوفيق بين طرفي الحرب في غرف المفاوضات المغلقة، يغفل الفاعلون الدوليون حقيقة بالغة الأهمية مفادها أن استدامة الحرب في السودان مسألة قدرة مالية وسيولة نقدية تمكّن من الاستمرار في الدفع، أكثر منها مسألة عقيدة عسكرية.
وما لم يتم رصد ومراقبة وتفكيك مصادر التمويل التي تغذي خزائن طرفي الصراع وتحديدا الطرف المتعنت والرافض لأي مبادرات للسلام ونعني بذلك قائد الانقلاب ومن خلفة تنظيم الحركة الإسلامية الإرهابية في السودان، فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار، بما في ذلك الوثيقة الأمريكية المسربة التي أثارت جدلاً واسعاً منتصف يوليو 2026 بشأن هدنة إنسانية محتملة، سيبقى مجرد استراحة محارب مؤقتة لإعادة التزود بالذخيرة والسيولة معاً.
شريان الحياة بالعملة الصعبة
رغم تضرر قطاع التعدين في السودان جراء المعارك، ظل الذهب الورقة الرابحة لنظام الحركة الإسلامية الإرهابية لضمان تدفق النقد الأجنبي، إذ يتواجد هذا المعدن المهم بدرجات متفاوتة بحسب مناطق السيطرة.
ففي المناطق التي تتركز السيطرة العسكرية فيها للجيش في الولايات الشمالية والشرقية ونهر النيل، وهي المناطق التي تُعد من أكثر المناطق إنتاجاً للذهب التقليدي والمنظم في البلاد، تكشف بيانات بنك السودان المركزي عن فجوة صارخة بين الإنتاج والتصدير الرسمي، إذ أنتجت البلاد نحو سبعين طناً من الذهب خلال العام الماضي، ولم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى أربعة عشر طناً فقط.
ووفقاً لتقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان (S/2023/123)، فإن السودان ينتج ما بين 80 و100 طن من الذهب سنوياً، ولا يدخل القنوات الشرعية سوى أقل من 40% منها ما يعني أن نحو 80 بالمئة من إنتاج السودان من الذهب يخرج مهرَّباً عبر شبكات معقدة تمتد إلى دول الجوار وتغذي سوقاً سوداء عالمية.
فاغنر يعمل في الخفاء
تشير تقديرات وتقارير متعددة، من بينها دراسات لمعهد تشاتام هاوس البريطاني، إلى أن دولاً خليجية تمثل الوجهة النهائية الأبرز لهذا الذهب المهرّب، إذ تستقبل جزءاً كبيراً منه ليعاد صهره فيها ودمجه في الأسواق العالمية بعيداً عن أي رقابة، بينما تبرز مصر وتشاد كمحطتين مركزيتين لإعادة توجيه الذهب الخارج من مناطق سيطرة الجيش، إذ تُستخدم عائدات بيعه في مصر لشراء سلع غذائية وزيوت طبخ ووقود ومواد كيميائية مثل الزئبق والسيانيد تُعاد بعد ذلك إلى السودان لتغذية دورة التعدين والحرب من جديد. وقد دخلت أطراف خارجية أخرى على خط هذا الاقتصاد الموازي، إذ تدير جهات مرتبطة بمجموعة “فيلق أفريقيا” الروسية (المعروفة سابقاً باسم فاغنر) مصافي ذهب خاصة على نهر النيل تسهم في تهريب المعدن النفيس إلى الخارج.
وظهر أثر هذا الاقتصاد بوضوح في الربع الأول من عام 2026، حين بلغت صادرات الذهب الرسمية نحو 370 مليون دولار فقط في مقابل فاتورة استيراد وقود بلغت 697 مليون دولار، وهي فجوة تمويلية تجاوزت 326 مليون دولار دفعت بنك السودان إلى إلزام الشركات الراغبة في استيراد الوقود بإيداع مائتي كيلوغرام من الذهب كضمان عيني، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً لكونها تنقل عبء الأزمة إلى القطاع الخاص بدلاً من معالجة جذورها المتمثلة في اتساع نطاق التهريب.
مما لاشك فيه أن هذا الاقتصاد الموازي يوفر السيولة الفورية اللازمة لشراء التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية التي غيّرت قواعد الاشتباك الميداني مؤخراً، فضلاً عن تمويل الاقتصاد اليومي للحرب من نقل ووقود وذخيرة تبقي شبكات السيطرة قائمة على الأرض.
منظومة الصناعات الدفاعية
تُعد منظومة الصناعات الدفاعية التي يديرها ميرغني إدريس سليمان الأخطبوط المالي الأكبر في تاريخ السودان الحديث، إذ تمتد سيطرتها إلى مفاصل الاقتصاد المدني (يشرف العميد أمن الجيلي تاج الدين أبوشامة على كافة الأنشطة في القطاع المدني لشركات منظومة الصناعات الدفاعية) عبر مجمعات صناعية متكاملة كمجموعة جياد الصناعية، المعروفة أيضاً باسم “سودان ماستر تكنولوجي SMT” الاسم المستخدم في التعاقدات والمراسلات الدولية تفاديا للعقوبات ومحاولة لإيجاد مساحة وحرية للحركة بعيد عن ربط النشاطات التجارية المشبوهة ربطا مباشرا بالمؤسسة العسكرية، تفاديا لمزيد من العقوبات والعزلة الدولية.
تحقق منظومة الصناعات الدفاعية عبر هياكل ملكية معقدة وغير شفافة مليارات الدولارات، وتؤمّن قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي من الذخائر والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلى جانب سيطرتها على شركات خدمية وزراعية عملاقة تولّد أرباحاً ضخمة بالعملة الصعبة – غير خاضعة لأي نوع من الضرائب المحلية أو الرسوم الجمركية أو حتى التدقيق والمراجعة المحاسبية – تُوظَّف لوجستياً وعسكرياً، وامتيازات واحتكارات تجارية وإعفاءات ضريبية تضعف القطاع الخاص لصالح الخزينة العسكرية.
كشفت وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك)، في حزمة عقوبات جديدة أواخر يونيو 2026، تفاصيل دقيقة عن كيفية عمل هذه المنظومة، حين استهدفت شركة “تارغت ميولتي أكتيفيتيز” (TMAC) الخاضعة لسيطرة جياد (يديرها العميد طارق حسين محمد مدني ) والتي استوردت أكثر من مئتي شحنة من المتفجرات والمواد ذات الصلة منذ عام 2024 من شركة “إس بي إل إنرجي” الهندية، إلى جانب معدات من شركات مصرية، لاستخدامها في تصنيع القنابل التي يعتمد عليها الجيش.
كما طالت العقوبات شركة “هندسة الموانئ” ( يديرها العقيد بحري أنس يونس إدريس ) المملوكة لمؤسسات حكومية سودانية تابعة لجياد، والتي استوردت منذ اندلاع الحرب زياً عسكرياً وأحذية لصالح عناصر الاستخبارات السودانية من شركة إماراتية، وأحزمة ذخيرة وصناديق أسلحة من شركة تركية.
وشملت الحزمة نفسها عقوبات على أشخاص مرتبطين بشركة “تالنت بريدج” المسجّلة في بنما، ما يؤكد أن اقتصاد الحرب السوداني تحوّل إلى شبكة عابرة للقارات تمتد من شركات ذات إنشطة مشبوهه في دول خليجيه إلى جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية.
وسبق لمكتب أوفاك أن أدرج منظومة الصناعات الدفاعية وجياد على قوائم العقوبات في يونيو 2023، غير أن استمرار حصول المنظومة على معدات عسكرية عبر شركات واجهة يكشف محدودية أثر العقوبات في ظل ثغرات شبكات التهريب الدولية.
سيادة “الأمر الواقع”
يستفيد الجيش السوداني بشكل حاسم من كونه يمثل حكومة الأمر الواقع المتعامل معها دولياً، وهذه الميزة تمنحه التفرد بإدارة أدوات السيادة المالية للبلاد. فبورتسودان، التي تمثل الرئة الاقتصادية الوحيدة المتبقية للبلاد، تدرّ عبر جماركها وموانئها رسوماً على كل حاوية تدخل أو تخرج، تذهب مباشرة لتمويل المجهود الحربي ورواتب الجنود والمستنفرين، وباتت هذه المدينة نفسها هدفاً للحرب حين تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية فيها من بينها قاعدة “دقنة” الجوية.
كما تمنح السيطرة على بنك السودان المركزي قيادة الجيش في الوقت نفسه القدرة على التحكم في أسعار الصرف وإصدار النقد وتوجيه الائتمان المصرفي لدعم المشتريات العسكرية الاستراتيجية تحت غطاء استيراد السلع الحيوية، وهو ما تجلى في قرار إلزام مستوردي الوقود بإيداع الذهب كضمان، والذي كشف عن مدى اعتماد السلطة النقدية الرسمية على أدوات استثنائية لسد فجوة النقد الأجنبي المتفاقمة.
تجفيف منابع التمويل
تتحرك الاستجابة الدولية بالفعل، وإن بخطى متفاوتة الأثر. ففي 29 يناير 2026 فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوبات على سبعة أفراد في ضوء التصعيد الدراماتيكي للعنف في البلاد، ثم توسّع في مايو من العام نفسه ليستهدف تجارة الذهب السودانية مباشرة، عبر قرار استند إلى مبادرة هولندية فرنسية يحظر شراء واستيراد ونقل أي ذهب سوداني المنشأ، ويحظر في الوقت نفسه بيع وتوريد وتصدير مادتَي الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما المادتان الأساسيتان في عمليات فصل الذهب عن الخام (يمكن الرجوع إلي ما ورد في تقرير OECD حول سلاسل توريد الذهب المسؤولة في أفريقيا (Responsible Gold Supply Chains in Africa) ) كمرجع مؤسسي دولي يدعم ضرورة الرقابة على سلاسل التوريد الإقليمية.
وعلى الجانب الأمريكي، جاءت حزمة عقوبات وزارة الخزانة في يونيو 2026 لتستهدف بدقة الشركات التابعة والشركات الوسيطة الأجنبية التي تلتف على العقوبات القائمة منذ 2023، مستندة إلى الأمر التنفيذي رقم 14098 الخاص بمعاقبة من يزعزعون استقرار السودان ويقوّضون هدف الانتقال الديمقراطي.
غير أن استمرار تدفق الذهب المهرب واستمرار حصول جياد على معدات عسكرية عبر شركات واجهة في مصر والهند وتركيا والإمارات، يكشفان أن التوسع في نطاق العقوبات ما زال بحاجة إلى تشديد الرقابة على سلاسل التوريد الإقليمية نفسها، لا الاكتفاء بمعاقبة الكيانات المدرجة بعد وقوع الضرر.
كما تستدعي الرقابة على التحويلات المالية والحركة التجارية العابرة للبحر الأحمر تشديداً بحرياً ومالياً موازياً، يمنع مقايضة الموارد الطبيعية بالسلاح المتطور عبر الموانئ والمطارات الترابية التي تحوّلت إلى شرايين لوجستية موازية تماماً لمؤسسات الدولة الرسمية.
إن أطراف الحرب لا يحاربان فقط بما يملكانه في مخازنهما، بل بما تدره عليهما شبكاتهما المالية المعقدة والمنظمة منذ سنوات الحرب الثلاث.
إغفال هذا الجانب في مفاوضات السلام، بما فيها المساعي الأمريكية الأخيرة نحو هدنة إنسانية، يشبه محاولة إطفاء حريق هائل مع ترك صنبور الوقود مفتوحاً.
وإذا أراد المجتمع الدولي صمتاً حقيقياً لأصوات المدافع في الخرطوم ودارفور وكردفان، فعليه أن يدقق أولاً في دفاتر الحسابات البنكية، ويطارد سبائك الذهب المهربة من جبل عامر إلى المصافي الأجنبية، ويكسر السلاسل التي تربط مناجم الشمال والشرق والغرب بأسواق مصر وتشاد والخيج على حد سواء.
غير أن العقوبات والرقابة الدولية، مهما اتسع نطاقها، تبقى قاصرة عن إحداث التحول الحقيقي ما لم يستيقظ وعي جمعي داخل السودان نفسه يدرك أن هذه الحرب لا تُدار فقط بالسلاح، بل بثروة الشعب السوداني ذاته التي تُنهب أمام عينيه وتُهرَّب إلى موانئ ومصافٍ لا تعود عليه بشيء.
فالمواطن السوداني الذي يقف في طوابير الوقود، ويرى عملته تنهار يوماً بعد يوم، ويدفن أبناءه ضحايا لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل، هو صاحب المصلحة الأول والأخير في كشف هذه الشبكات وفضحها ومساءلة القائمين عليها من الطرفين معاً، لا انتظار أن يقوم بذلك عنه مجتمع دولي مشغول بحسابات مصالحه الخاصة.
إن استرداد الدولة السودانية لا يبدأ من طاولة مفاوضات في جنيف أو جدة، بل يبدأ من لحظة يدرك فيها كل سوداني أن الذهب الذي يُستخرج من أرضه، والجمارك التي تُجبى باسمه، والبنك المركزي الذي يُفترض أن يصون قوت أبنائه، إنما هي موارده هو، لا غنيمة حرب يتقاسمها من حمل السلاح ضده.
وما لم يتحول هذا الإدراك إلى ضغط شعبي وسياسي حقيقي يطالب بالشفافية والمحاسبة ويرفض تحويل مستقبل جيل كامل من الأطفال السودانيين إلى وقود لحرب مالية لا تنتهي، فإن أي هدنة، مهما بدت واعدة، لن تكون سوى فاصل قصير قبل أن تشتعل النار من جديد، بينما تظل ثروات السودان تُنهب وتُهرَّب، ويبقى مستقبل أبنائه رهينة لصراع لم يعد لهم فيه سوى الثمن الذي يدفعونه وحدهم.

زر الذهاب إلى الأعلى