
علي أحمد
في المشهد السياسي السوداني المزدحم بالتحولات، يبرز أمجد فريد كظاهرة تستحق التأمل؛ ليس لثبات مبدأ، بل لقدرة فائقة على القفز بين المراكب المشتعلة. فمن طبيب ناضل في صفوف “تجمع المهنيين” عام 2019، إلى مستشار لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في أبريل 2026، تبدو المسيرة وكأنها رحلة من “مدنية” الشعار إلى “عسكرية” المسار، مُحاطة بسيل من “تغريدات” الهجاء لرفاق الأمس.
في ديسمبر 2019، كان أمجد فريد يطل كأحد الوجوه المدنية الصارخة بـ “العصيان” ضد العسكر، مستنداً إلى زخم الشارع الذي وضعه في مكتب رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك . حينها، كانت تغريداته ترسم حدوداً قاطعة بين “المدنية” و”الانقلاب”، وكان الجيش بالنسبة له مؤسسة يجب أن تعود لثكناتها، بينما “قوى الحرية والتغيير” هي القائد الملهم.
بمرور الوقت، ومع تصاعد الخلافات داخل “الحاضنة السياسية”، بدأت نبرة فريد عبر منصة (X) تتحول من النقد السياسي إلى “العداء الشخصي”. لم يكتفِ بمغادرة منصبه في مكتب حمدوك عقب الانقلاب ، بل شرع في شن هجمات ضارية على رفاقه السابقين في “الحرية والتغيير”، واصفاً إياهم بعبارات لا تخلو من الحدة والاتهامات بـ”الانتهازية” و”الارتهان للخارج”. هذه الطريقة في “شتم” الحلفاء لم تكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كانت تمهيداً لقطيعة كاملة مع المشروع المدني الذي كان يوماً أحد المتحدثين باسمه. ومن عمله في يونتامس كان معطلاً لانهاء الانقلاب ومشككاً في الاتفاق السياسي الإطاري وبعدها صدر حكم بإدانته لضربه طليقته ساندرا فاروق كدودة فأصبح مداناً ومع ذلك اصبح سياسياً مؤثراً .
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت مواقف فريد تحولاً جذرياً؛ إذ انتقل من خانة “المحلل المستقل” المنتقد لطرفي النزاع، إلى تبني رواية “معركة الكرامة” بشكل كامل. وبحلول مارس وأبريل 2026، لم يعد فريد يرى في البرهان “قائداً للانقلاب” كما في 2021، بل أصبح “مستشاره السياسي” الذي يبرر استمرار الحرب.
في تغريداته الأخيرة عام 2026، يصف قبوله المنصب بأنه “أداء لحق الوطن في معركة وجودية لا تقبل أنصاف المواقف”. هذه اللغة “الحربية” تتناقض بشدة مع خطابه القديم الذي كان يعتبر أي تعاون مع العسكر “خيانة لدماء الشهداء”.
أمجد فريد يمثل نموذجاً لـ “المثقف الانتهازي” الذي يجيد قراءة موازين القوى. فبينما يعيش السودان مأساة إنسانية طاحنة في عامها الرابع، اختار فريد أن يكون “لسان السلطة” في واشنطن والمنصات الدولية، مهاجماً أي مبادرات سلام تضمن دوراً لرفاق الأمس، ومتمسكاً بـ “الحل العسكري” الذي كان يوماً يراه وبالاً على البلاد.
إن مأساة “المستشار فريد” ليست في تغيير مواقفه، بل في فداحة “الثمن”؛ إذ استبدل “شرعية الشارع” بـ “أروقة القصر”، ليصبح في ربيع 2026 مجرد صدى لصوت الرصاص الذي كان يطالب بإسكاته في خريف 2019.



