الأعمدة

تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾… من حديث الإفك إلى حرب السودان: حين تُفضَح الحقيقة بلا مجاملة

✍️ محمد الفاتح حضرة
📜القصة الكاملة
أولًا: معنى الآية… ليست تبريرًا للألم بل كشفًا للحقائق
قوله تعالى:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
لم يكن دعوة لتجميل الألم، ولا تبريرًا للكارثة، بل إشارة إلى حقيقة راسخة تتكرر في التاريخ:
أن بعض الأحداث لا تُقاس بآلامها فقط، بل بما تكشفه من وجوه الناس، وحقائق النفوس، وسقوط الأقنعة
وهذا ما حدث حرفيًا في حادثة الإفك… وهو ذاته، بدرجات مختلفة، ما يحدث اليوم في حرب السودان ‼️
ثانيًا: حديث الإفك… حين سقطت الأقنعة داخل المدينة المنورة
في المجتمع المدني الأول في الإسلام، وقعت حادثة خطيرة:
اتهام باطل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
إشاعة انتشرت داخل المدينة
خاض فيها بعض الناس بلا تثبت
وكان من بينهم من عُدّوا من أهل الإيمان والصحبة، كما وصفهم القرآن:
﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾
ثم نزل القرآن في سورة النور ليحسم المشهد بالكامل:
يبرئ السيدة عائشة
ويُسقط الإشاعة
ويكشف خطورة اللسان حين يسبق العقل
ويؤسس قاعدة التثبت قبل النقل
🧐🫵 وهنا جاءت الجملة المفصلية:
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
أي أن الألم كان قاسيًا، لكن نتيجته كانت:
فضح من خاض في الباطل
وكشف المنافقين داخل المجتمع
وإعادة بناء ميزان الحقيقة في الأمة
ثالثًا: حرب السودان… الإفك الكبير الذي كشف الجميع
🧐🫵 إذا انتقلنا إلى واقع السودان، فإن ما حدث منذ 15 أبريل 2023 لم يكن مجرد حرب بين جيش وقوة موازية،
بل كان زلزالًا اجتماعيًا وأخلاقيًا وسياسيًا وعسكريًا شاملًا.
🛑 أولًا: فضح القادة والمؤسسات العسكرية والأمنية
الحرب لم تكشف فقط ميزان القوة، بل كشفت:
قادة الجيش
وقادة الدعم السريع
وشبكات النفوذ السياسي والعسكري المرتبطة بهم
وكما في الإفك، لم يكن الأمر مجرد اتهام، بل اختبار واقع وسلوك، ظهر فيه ما لم يكن ظاهرًا في زمن الخطاب والدعاية والوصاية ‼️
🛑 ثانيًا: سقوط أوهام التيار الإسلامي السياسي
كما كشفت حادثة الإفك “عصبة منكم” داخل المجتمع المدني الأول،
فإن الحرب كشفت زيف:
جماعة الحركة الإسلامية
المؤتمر الوطني
وما يسمى بالتيار الإسلامي العريض
ليس كشعارات سياسية فقط، بل كنموذج تاريخي لخلط الدين بالسلطة، ثم الانكشاف عند لحظة الحقيقة ‼️
🛑 ثالثًا: سقوط المجتمع من الداخل
وهنا كانت الصدمة الأخلاقية الكبرى:
الجيران الذين ظننا فيهم الخير، ظهر في بعضهم الحسد والحقد
الأقرباء الذين كنا نأمن لهم، انكشفت فيهم الأنانية والخذلان والاستغلال
البيئة الاجتماعية لم تكن كما كنا نتخيل
🫵 وهنا انكشفت الحقيقة القاسية: لم نر المجتمع كما هو… بل كما كنا نريد أن نراه
🛑 رابعًا: الجشع والانتهازية في زمن الانهيار
الحرب كشفت طبقة أخرى من الأخلاق:
جشع بعض التجار
استغلال ملاك العقارات
تضاعف الأسعار بلا رحمة
انتهازية في النقل والمواصلات
تم تحويل المأساة إلى فرصة ربح ‼️
وانكشف وهم “الرحمة الاجتماعية” أمام اختبار الحرب
🛑 خامسًا: كشف الحقيقة عن أنفسنا نحن
وهذه أخطر لحظة:
الحرب لم تكشف الآخرين فقط… بل كشفتنا نحن:
ضعفنا
خوفنا
تناقضاتنا
حدود أخلاقنا تحت الضغط
🫵 وكأنها مرآة قاسية تقول: من نحن حقًا حين تسقط الدولة، وتغيب العدالة، ويصبح كل شيء مكشوفًا بلا حماية؟
🛑 سادسًا: وفي المقابل… وجوه النور أيضًا
كما في كل فتنة كبرى:
شباب الثورة الذين ثبتوا على المبدأ
ساسة وناشطون لم يبدلوا مواقفهم رغم الانهيار
نماذج من الشجاعة والصدق الإنساني وسط الفوضى
هؤلاء أعادوا تعريف معنى “الوطنية” بعيدًا عن السلاح والسلطة
🛑 سابعًا: سقوط وهم الثبات في الدنيا
ومع امتداد التجربة، ظهرت حقيقة أكبر:
البيوت ليست أمانًا
المال ليس ضمانًا
المكان ليس استقرارًا
القوة ليست حصانة مطلقة
🫵 بل كل ذلك قابل للسقوط في لحظة واحدة
وهنا يتجلى المعنى العميق:
الدنيا ليست ثابتة… بل اختبار دائم يتغير فيه كل شيء فجأة وبغتة
📜 خاتمة: “بل هو خير لكم”… في كشف الحقيقة لا في وقوع الألم
كما في حادثة الإفك: لم يكن الإفك خيرًا في ذاته
لكنّه كشف المنافقين، وفضح الباطل، وأعاد بناء الوعي
وكذلك في السودان: لم تكن الحرب خيرًا
لكنها كانت لحظة سقوط شامل لكل الأقنعة:
أقنعة السياسة
أقنعة الدين
أقنعة المجتمع
وأقنعة الذات
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
أي: قد يكون في أقسى لحظات التاريخ… أعظم لحظات انكشاف الحقيقة بلا مجاملة ولا تزييف
ثم يكون بعد ذلك إن شاء الله… وعيٌ جديد، لا يقوم على الوهم، بل على البصيرة ‼️

زر الذهاب إلى الأعلى