الأعمدة

بكري_الجاك : الانتهازية و التكسب كمحفز للعمل العام بشكل عام و العمل السياسي بشكل خاص

لعل أسوأ تركة اجتماعسياسبة من حقبة الانقاذ أو حكم الاسلاميين هو التجريف الاجتماعي و التسطيح عبر حملات التجهيل المنظم، ثلاثة عقود من الغيهب مصحوبة بتحول قيمي كبير جعلت الفساد ليس فقط فساد مؤسسي، اي ان السمة الغالبة لعمل مؤسسات الدولة هو التطبيع مع الفساد و تقنينه مثل مصطلحات التجنيب و التعدي على الممتلكات العامة دون اي عقاب او محاسبة، يل ان الفساد المجتمعي اصبح هو الاسوأ و هنا أعني تبدل منظومة القيم اذا اصبح الكذب فهلوة و سرقة المال العام شطارة و التحايل السياسي بالغش و التدليس ذكاء و حكمة. و فى مثل هذا الواقع تحولت فكرة التصدي للعمل العام ليس كوسيلة للنضال من أجل تحقيق قيم مثل العدالة و الحرية و المساواة و التنمية المتوازنة، بل اصبح تصدر مشهد العمل العام وسيلة للتكسب المالي و ممارسة العمل السياسي أداة للثراء السهل و السريع، و فى مثل هذا السياق لا يتم الترفيع السياسي و الصعود للقيادة نتيجة للكفاءة و المعرفة او حتى الإخلاص و الجهد بل بتوظيف القبيلة و ادعاء المظلومية الاجتماعية لعوامل تتعلق بالتهميش و سوء ادارة الدولة.
النتيجة التي ندفع ثمنها الآن هو صعود طبقة سياسية (جزافا يطلق عليهم مصطلح نخبة) ليس لها لا وازع قيمي او أخلاقي او حتي انها تؤمن باي شيء مما تقول بل بامكان بعض هؤلاء قول الشيء و فعل نقيضه او ان تبدل جلدها و مواقفها حسب رياح المصالح، و أصبحت طبقة من العاهات السياسية التى ترتبط بتحالفات مصالح و يمكنها ان تتعايش مع كل ظرف (ثورة تركب مكنة الثورة و تدعي النضال و المقاومة، انقلاب تركب مكنة الإجراءات التصحيحية، حرب تركب مكنة الهتاف و ادعاء الوطنية، و اذا ما هبت رياح السلام فتركب مكنة السلام و نبذ العنف) القاسم المشترك الأعظم هو التلون للحصول على مكاسب مادية فى كل ظرف و ليس لهذه الطبقة مزعة لحم فى تغيير مواقفها و للأسف هذا السلوك لا يجد رادع سياسي و اجتماعي لان انهيار منظومة القيم بشكل عام جعلت هذا السلوك ينظر اليه كنوع من الشطارة و الحرفنة السياسية أما المبدئية و التمسك بالقيم و الاتساق فيراه الكثيرون مجرد عبط و غباء و مسكنة.
هذه الظاهرة تساهم فى إطالة أمد الحرب لان شبكة المصالح الان سوف لن تمضي الي السلام ما لم تضمن مواقعها فيه لضمان استمرار التكسب من العمل العام بشكل عام و العمل السياسي على وجه الخصوص. و الغريبة ان جلهم يوصمون مخالفيهم الرأي و المواقف بنفس الاتهامات المجانية. هؤلاء ياكلون فى كل الموائد ثورة او انقلاب او حرب او سلام او توافق سياسي او حتى مجرد مؤتمر..
خلاصة القول نحن ازاء بنية اجتماعية رثة و صعود طبقة سياسية انتهازية غيرت مفهوم العمل العام من التجرد و التضحية لخدمة الناس الى مجرد وسيلة للتكسب و التربح. هذا واقع فى غاية التعقيد و لم تعد هناك مرجعية ذات مصداقية و توافق يمكن الاحتكام إليها و الأسوأ ان معايير الترفيع للقيادة أصبحت هى القبيلة أولا ثم الادعاء و التزييف فى ظل سياق اغلب المتضررين فيه من عامة الناس لا يملكون من أمرهم شيئا فهذه الحرب تدور فوق رؤوسهم و على اجسادهم. التاريخ يقول ان اي سياق وصل هذا المستوي من الرداءة و التفاهة سيحتاج الى دورة كاملة، اي جيل، هذا تم استثمار و توافق على قيم عليا و مشروع جامع يوحد وجدان الناس حول قيم عليا.

زر الذهاب إلى الأعلى