الأعمدة

بعد نحو خمس سنوات من انقلاب 25 أكتوبر، خرج عبد الفتاح البرهان ليقول إن ما حدث لم يكن انقلاباً، بل «تصحيحاً لمسار الثورة»، ثم عاد ليحمّل حكومة حمدوك مسؤولية الفشل في بناء الدولة!

مجاهد بشري
المفارقة أن البرهان لا يتحدث عن حكومة موجودة اليوم، وإنما عن حكومة انقلب عليها هو بنفسه في 25 أكتوبر 2021، واعتقل رئيس وزرائها وعدداً من وزرائها ومسؤوليها، ثم استأثرت المؤسسة العسكرية بالسلطة بعدها.
فإذا كانت حكومة حمدوك قد فشلت كما يقول، فقد أزاحها البرهان منذ خمس سنوات تقريباً، والسؤال البسيط هو: ماذا فعل هو بالدولة بعد أن أزاحها؟
وقبل الإجابة، من الإنصاف أيضاً أن نسأل: ماذا فعلت الحكومة التي يتهمها البرهان بالفشل؟
حكومة حمدوك تسلمت دولة خارجة من ثلاثين عاماً من حكم البشير، مثقلة بالديون والعقوبات والعزلة الدولية والانهيار الاقتصادي، وخلال فترة انتقالية قصيرة ومضطربة، خرج اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب بعد قرابة ثلاثة عقود، وعاد السودان إلى التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وسوّى متأخراته لدى مؤسسات دولية، ووحّد سعر الصرف، ووصل إلى نقطة القرار في مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون «HIPC»، فاتحاً الطريق أمام إعفاءات ضخمة من ديون السودان الخارجية.
وفي عهدها أيضاً وُقعت اتفاقية جوبا للسلام مع عدد من الحركات المسلحة، وانطلق برنامج «ثمرات» للدعم الأسري، وعاد البنك الدولي وصندوق النقد إلى التعامل مع السودان، وبدأ البلد يستعيد تدريجياً علاقاته الاقتصادية والمالية الدولية بعد سنوات طويلة من العزلة.
لكن الفارق أن هذه الحكومة، رغم عمرها القصير والظروف التي ورثتها، تستطيع أن تضع أمامك كشف حساب: رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، العودة إلى المؤسسات المالية الدولية، فتح طريق إعفاء الديون، اتفاق سلام، إعادة العلاقات الاقتصادية الدولية، وبرامج للحماية الاجتماعية.
ثم جاء البرهان في 25 أكتوبر 2021.
حل مؤسسات الحكم، واعتقل رئيس الوزراء وعدداً من الوزراء والمسؤولين، وعطل مسار الانتقال المدني واستولى الجيش على السلطة، وبعد يومين فقط من الانقلاب أعلن البنك الدولي تعليق مدفوعاته للسودان وتعليق معالجة العمليات الجديدة، بينما كان السودان قد بدأ للتو العودة إلى النظام المالي الدولي ومسار إعفاء الديون.
ومنذ الانقلاب أصبحت السلطة الفعلية في يد المؤسسة العسكرية، ثم دخل السودان في حرب في أبريل 2023 استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، ودُمرت مدن ومؤسسات وبنية تحتية، وانهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات، ونزح ولجأ ملايين السودانيين، وتحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم تحت حكم البرهان.
هذه أيضاً حصيلة، ولكن من نوع آخر.
حمدوك الذي يتهمه البرهان اليوم بالفشل ترك السودان عائداً إلى المجتمع الدولي، وفي طريق إعفاء الديون، والمؤسسات المالية الدولية تعود إليه.
والبرهان الذي انقلب عليه، ماذا ترك بعده حتى الآن؟
دولة ممزقة بالحرب، ومدناً مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، وعشرات الملايين المحتاجين إلى المساعدات، واقتصاداً منهكاً، ومساراً انتقالياً انتهى تحت جنازير الانقلاب.
وبعد كل ذلك، يعود البرهان إلى حكومة انتهى وجودها بانقلابه ليقول لنا إنها السبب!
الأمر يشبه شخصاً طرد “سوّاق السيارة”، ثم أمسك المقود بنفسه لخمس سنوات، وقادها إلى الحائط، ثم خرج من الحطام غاضباً وهو يقول:
(السائق السابق كان سيئاً!).
أما وصف انقلاب 25 أكتوبر بأنه «تصحيح لمسار الثورة»، فهو لا يغير طبيعة ما حدث بمجرد تغيير الاسم. حل مؤسسات الحكم، واعتقال رئيس الوزراء والوزراء، وتعطيل الترتيبات الدستورية والاستيلاء العسكري على السلطة لا يصبح «تصحيحاً» لأن قائد الانقلاب قرر بعد خمس سنوات أن يسميه كذلك.
بل إن المفارقة تصبح أكبر عندما يتحدث البرهان اليوم عن «بناء الدولة». فالرجل الذي يقول إن حكومة حمدوك عجزت عن بناء الدولة، أزاح تلك الحكومة بنفسه، وأمسك بالسلطة بعدها، وبالتالي مُنح عملياً ــ وبالقوة ــ الفرصة التي يقول إن المدنيين أضاعوها.
فأين الدولة التي بناها؟
والأهم أن استدعاء حمدوك اليوم لا يقدم إجابة عن السؤال الذي يخص البرهان نفسه:
بعد كل هذه السنوات من إزاحة الحكومة والاستئثار بالسلطة، ماذا بنى البرهان؟
لأنك تستطيع أن تختلف مع تجربة حكومة حمدوك كما تشاء، وأن تنتقد أخطاءها كما تشاء، لكن لا يمكنك أن تنقلب عليها، وتحكم بعدها لسنوات، ثم تستخدم الحكومة التي أسقطتها عذراً لنتائج حكمك أنت.
وإذا كان البرهان يريد فعلاً إجراء مقارنة بين المرحلتين، فلتكن المقارنة كاملة: ماذا كان وضع السودان عندما أطاح بحكومة حمدوك في أكتوبر 2021، وماذا أصبح عليه السودان بعد نحو خمس سنوات من حكم ما سماه هو «التصحيح»؟
فكيف بالبليد أن يصحح الأستاذ؟
الاستاذ حمدوك
رضي الله عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى