الأعمدة

ثلاثُ سنواتٍ كاملة، والبلاد تدور في طاحونة النار، تُسحق فيها الأعمار كما تُسحق الحجارة، ويُبدَّد فيها ما بنته الأيام في عقود خلال ساعات

عثمان فضل الله
ثلاثُ سنواتٍ كاملة، والبلاد تدور في طاحونة النار، تُسحق فيها الأعمار كما تُسحق الحجارة، ويُبدَّد فيها ما بنته الأيام في عقود خلال ساعات من الجنون. ثلاث سنوات كان ينبغي أن تكفي ليتعلّم الجميع أن الحرب لا تُنجب إلا حربًا أخرى، وأن الرصاص لا يفتح بابًا لمستقبل، بل يفتح أبواب المقابر. ومع ذلك، لا يزال بين الناس من يرفض السلام، كأن الخراب لم يبلغه، وكأن صراخ الأمهات لم يمرّ بجوار قلبه.
في الأيام الأولى للمحنة، ارتفعت أصوات كثيرة تزعم أنها تقف مع الجيش، وتدّعي أن انحيازها انحيازٌ للوطن، وأن هتافها إنما هو دفاعٌ عن الدولة والكرامة والسيادة. غير أن الأيام، وهي أعدل القضاة، لا تلبث أن تكشف ما أخفته الشعارات، وتفضح ما وارته الحناجر الصاخبة. فليس كل من صاح باسم الوطن كان يريد الوطن، وليس كل من رفع راية الجيش كان وفيًّا للجيش.
لقد قلت يومها إن بعض هؤلاء لا يقفون مع الجيش حقًا، وإنما يقفون مع مصالحهم وهم يرتدون ثوب الوطنية، ويحرسون أطماعهم تحت لافتة المعركة. كانوا مع الحرب ما دامت تمنحهم موقعًا، أو تفتح لهم باب نفوذ، أو تتيح لهم تجارةً في زمن الفوضى، أو تصنع لهم مكانةً على ركام البلاد. فإذا جاء السلام، خافوا أن تنطفئ السوق التي ازدهرت في الظلام، وأن يسقط الدور الذي منحته لهم الفوضى.
واليوم، بعد ثلاث سنوات من الدم، بدأ الامتحان الحقيقي. فالحرب كانت زمن الضجيج الذي تختلط فيه الأصوات، أما السلام فهو زمن الفرز الدقيق. الآن سيظهر من كان مع الجيش حربًا وسِلمًا، يدعمه بوصفه مؤسسة وطنية تحفظ البلاد، لا أداةً لتمرير رغباته. وسيظهر أيضًا من كان مع فئة، أو مع مصلحة، أو مع حلم صغير لبس قناع القضية الكبرى.
سيظهر من يريد للجيش أن يعود إلى مكانه الطبيعي: حاميًا للوطن، لا وقودًا لصراعات الطامعين. وسيظهر من كان يريد له أن يبقى في النار، لأن نجاته الشخصية معلقة باستمرار الحريق. سيظهر من كان يرى في الجنود أبناء هذا الشعب، ومن كان يراهم مجرد أرقامٍ تُستهلك في معركة لا تنتهي.
إن السلام لا يفضح الجبناء وحدهم، بل يفضح المنتفعين أيضًا. لأنهم حين يُدعون إلى التفاوض، لا يسمعون فرصةً لوقف الموت، بل يسمعون نهاية امتيازاتهم. وحين يُذكر وقف إطلاق النار، لا يرون نجاة المدن، بل يرون أفول نفوذهم. لذلك ترتجف أصواتهم كلما اقتربت البلاد من عتبة التعقّل.
وليس بعد ثلاث سنوات من الخراب عذرٌ لمن لا يزال يقدّم مصالحه على نجاة وطنه. فقد سقطت الأقنعة، ونضجت المأساة حتى صارت أوضح من أن تُخفى. ومن كان مع الوطن حقًا، فسيكون مع السلام الذي يردّ للوطن أنفاسه. ومن كان مع نفسه، فسيظلّ مع الحرب حتى آخر بيتٍ يسقط، وآخر أمٍّ تبكي، وآخر حلمٍ يُدفن تحت الأنقاض.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى