
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
توطئة
ثمة مقولة متداولة في بعض الأوساط الإعلامية المصرية ولدى شريحة من المصريين العاديين، مفادها أن السودان «كان جزءاً من مصر»، وأن البلدين «كانا دولة واحدة»، وأن مصر «فرَّطت في السودان». وعلى الرغم مما تنطوي عليه هذه المقولة من عاطفة أخوية مفهومة، فإنها تنطوي في الوقت ذاته على التباس تاريخي جسيم يُغفل الحقائق الموثقة التي تكشف بجلاء أن السودان لم يكن يوماً جزءاً من مصر بالمعنى الفعلي للحكم والسيادة، بل كان السودانيون والمصريون على حدٍّ سواء خاضعَين لسلطة واحدة هي السلطة البريطانية. وأن ما جرى تسميته بـ«الحكم الثنائي» لم يكن في حقيقته سوى استعمار بريطاني مُغلَّف بغطاء مصري لأغراض دبلوماسية لا أكثر ولا أقل.
حين تخون المصطلحات الحقيقة
تُسمَّى المرحلة الممتدة بين عامَي 1899م و1956م في كتب التاريخ الرسمية بـ«الحكم الثنائي الأنغلو-مصري»، وهو اسم يُوحي بشراكة حقيقية بين بريطانيا ومصر في إدارة السودان. غير أن ما وراء هذا الاسم يكشف صورة مغايرة تماماً لمن يُمعن النظر في مضمون الاتفاقية لا في مجرد عنوانها.
فقد أرسى اتفاق الحكم الثنائي لعام 1899م منصبَ الحاكم العام للسودان، تُرشِّح له الحكومة البريطانية ويُصدر به مرسوم من الخديوي، وتكون له السلطة العسكرية والمدنية العليا. وقد نصَّت الاتفاقية ذاتها صراحةً على أنه لا يجوز تطبيق أي قانون مصري أو مرسوم أو قرار وزاري على السودان إلا بإذن صريح من الحاكم العام البريطاني. فكيف تحكم مصر السودان وهي لا تملك حتى صلاحية تطبيق قوانينها على أراضيه؟ وكيف يكون السودان «جزءاً من مصر» وأوامر القاهرة لا تسري في الخرطوم إلا بإذن لندن؟
كانت مصر شريكاً على الورق لا على أرض الواقع، واسماً في الاتفاقية لا صاحب سلطة في الإدارة. وبعبارة أصرح مما قاله المؤرخون: كان السودان يُدار فعلياً كمستعمرة بريطانية خالصة، مع تضاؤل متصاعد لأي حضور مصري فيه طوال تلك العقود.
السؤال الذي يُجيب عن نفسه
الطريقة الأبسط لاختبار أي ادعاء تاريخي هي العودة إلى الوقائع الموثقة. فإذا كان السودان «جزءاً من مصر» يُحكَم من القاهرة، فمن الطبيعي أن يكون حكامه مصريين. فمن هو الحاكم المصري الذي تولى حكم السودان في تلك الحقبة الممتدة من 1899م حتى 1956م؟ الجواب الذي لا مفر منه: لم يكن هناك حاكم مصري واحد.
تعاقب على حكم السودان في تلك الفترة تسعة حكام عامين، جميعهم بريطانيو الجنسية، ابتداءً بالسير ريجنالد وينجت الذي تسلَّم السلطة عام 1899م وانتهاءً بالسير ألكسندر نوكس هيلم الذي أنهى مهامه عام 1956م حين أشرق فجر الاستقلال السوداني. وكان كل واحد من هؤلاء يرفع تقاريره إلى وزارة الخارجية البريطانية لا إلى القاهرة، ويُنفِّذ السياسة التي تُقررها لندن لا التي تنبثق عن الإرادة المصرية. وقد كان الحكام والمفتشون من الضباط البريطانيين دائماً، وإن كانوا يخدمون تقنياً في إطار الجيش المصري شكلاً، في حين ظل كبار المسؤولين في الحكومة والخدمة المدنية دائماً من خريجي الجامعات البريطانية مضموناً.
حادثة اغتيال لي ستاك: الدليل الأبلغ
في عام 1924م اغتيل الحاكم العام للسودان السير لي ستاك في شوارع القاهرة على يد وطنيين مصريين. فما كان من بريطانيا إلا أن أصدرت أمراً صارماً بسحب جميع القوات والموظفين المدنيين المصريين من السودان فوراً، وأذعنت مصر لهذا الأمر دون أن تكون في موقع من يستطيع الرفض.
وفي هذه الحادثة الواحدة ما يكفي للرد على كل الادعاءات: فلو كان السودان «جزءاً من مصر» فعلاً، لكان إخراج المصريين منه بأمر بريطاني يُعادل احتلالاً أجنبياً لجزء من الأرض المصرية، ولكان يستوجب من القاهرة ردّاً حازماً. لكن ما حدث كان العكس تماماً، أذعنت مصر لأنها لم تكن تمتلك في الأصل سلطة حقيقية في السودان تُدافع عنها.
مصر نفسها لم تكن سيدة أمرها
وها هنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى التي يتجنب الخطاب الإعلامي المصري مواجهتها: فبينما يتحدث بعض المصريين عن السودان كأنه كان ملكاً لمصر، تكشف الوقائع أن مصر ذاتها لم تكن مستقلة استقلالاً حقيقياً في الفترة نفسها.
واللافت في هذا السياق أن مصر لا تحتفل بـ«يوم استقلال»، بل تحتفل بـ«يوم الجلاء» في التاسع عشر من أكتوبر من كل عام، إحياءً لذكرى اتفاقية الجلاء التي وقَّعتها مصر وبريطانيا في ذلك اليوم من عام 1954م، والتي أُتمَّ بموجبها جلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية في عام 1956م، أي في العام ذاته الذي نال فيه السودان استقلاله. فكيف تكون مصر قد «أعطت» السودان استقلاله وهي تسترد في الوقت ذاته السيطرة الكاملة على أرضها هي؟ ومن لا يملك سيادته الكاملة على ترابه لا يجوز له أن يدَّعي السيادة على تراب غيره.
وقد أدرك المصريون والسودانيون الوطنيون الصادقون في تلك الحقبة هذه الحقيقة بوضوح، وعرفوا أنهم يشتركون في العدو ذاته وفي النضال ذاته، لا أن أحدهم يحكم الآخر.
الشراكة الاسمية لا تعني الحكم الفعلي
قد يقول قائل: إن علم مصر كان يُرفع في السودان جنباً إلى جنب مع العلم البريطاني، وكان خديوي مصر يُصدر مرسوم تعيين الحاكم العام، أفلا يكون في ذلك دليل على المشاركة الفعلية؟
والجواب الذي يُمليه المنطق قبل التاريخ: إن العلم والمرسوم الشكلي لا يُعادلان السيادة الحقيقية. فالسيادة الحقيقية تعني القدرة على تطبيق قوانينك على أرضٍ ما وإصدار القرار المُلزِم فيها، وكلتا الصلاحيتَين كانتا مسلوبتَين من مصر صراحةً بنص الاتفاقية ذاتها. وقد اختُرع الغطاء المصري في اتفاق 1899م لأغراض دبلوماسية محددة، منها تجنب المعارضة العثمانية والأوروبية للتمدد البريطاني في أفريقيا، لا اعترافاً بسيادة مصرية فعلية على السودان.
الاستقلال السوداني: إرادة شعب لا هبة من أحد
تنتهي القصة بما يؤكد خلاصة هذا المقال، فقد اتُّفق على إنهاء الحكم الثنائي باتفاق بريطاني-مصري-سوداني عام 1953م يقضي بمنح السودانيين حق تقرير مصيرهم. وحين مُنح السودانيون هذا الحق في الانتخابات التي أُجريت عام 1953م، أسفرت نتائجها عن إرادة شعبية واضحة تدفع نحو الاستقلال التام، ما لبث أن تجسَّد حقيقة دامغة حين أعلن رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري استقلال السودان التام في الأول من يناير عام 1956م، مُفضِلاً صوت الشعب السوداني الحقيقي على شعار «وحدة وادي النيل» الذي جاء به إلى سدة الحكم.
فالسودان لم يُمنَح استقلاله هبةً من أحد، ولم تُفرِّط فيه مصر لأنه لم يكن في حوزتها أصلاً. استرد السودان سيادته باختياره الحر بعد نضال طويل في مواجهة السلطة الاستعمارية البريطانية التي كانت تحكمه فعلياً، تماماً كما كانت في الوقت ذاته تحكم مصر عملياً وإن بصورة مختلفة.
التاريخ لا يُقرأ بالعاطفة ولا بالتمنيات، بل يُقرأ بالوثائق والوقائع. وحين تُقرأ وثائق الحكم الثنائي وسجلات حكام السودان ونصوص الاتفاقيات فإنها تُقرر بصوت واحد لا لبس فيه: السودان كان تحت الحكم البريطاني لا المصري، ومصر نفسها لم تكن سيدة قرارها الكامل طوال تلك الحقبة، والبلدان شريكان في مظلمة الاستعمار لا في علاقة الحاكم والمحكوم.
أما القول بأن السودان كان جزءاً من مصر فهو في أفضل أحواله خلط بين الأسماء والحقائق، وفي أسوأها توظيف للتاريخ لخدمة نزعات لا سند لها في الوقائع الموثقة. وحري بالإعلام المصري الجاد أن يُصحح هذه المقولة بدل أن يُرسِّخها، لأن حسن الجوار وصدق الأخوة يقتضيان احترام الحقيقة التاريخية قبل كل شيء.



