الأعمدة

حين يشيخ العطاء… هل يجد أصحاب المعاشات من ينصفهم؟

*مجتبى ميرغني*
في زحام الأزمات وضجيج الغلاء، يقف أصحاب المعاشات في الصفوف الخلفية بصمتٍ موجع، وكأن الزمن الذي أفنوه في خدمة الوطن قد طُوي سريعاً دون أن يُرد لهم بعض الجميل. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في كشوفات، بل هم ذاكرة الدولة الحية، وسواعدها التي بنت وعلّمت وداوت، وما يزال كثيرٌ منهم حتى اليوم يضيء شمعة في دروب العلم والأدب والثقافة.
لكن الواقع اليوم قاسٍ… معاشات ضعيفة بالكاد تكفي أياماً معدودة، في ظل أسعار تلتهم كل شيء، واحتياجات تتضاعف مع تقدم العمر. في هذه المرحلة من الحياة، لا يطلب الإنسان ترفاً، بل أبسط حقوقه: دواء، غذاء، وشيء من الطمأنينة. ومع ذلك، يجد كثير من المعاشيين أنفسهم عالقين بين تعقيدات الإجراءات وضياع الملفات، خاصة منذ سنوات الحرب، حيث فقد البعض مستحقاته بالكامل بسبب عبارة مؤلمة: “الملف موجود… أو غير موجود”.
قضيتهم ليست استعطافاً، بل حقٌ أصيل. حقٌ في حياة كريمة بعد سنوات من البذل. حقٌ في استرداد مستحقات تأخرت، مثل نسبة الـ15% منذ 2023، وحقٌ في معالجة أوضاعهم الإدارية بمرونة تُنهي معاناتهم، حتى ولو بخطاب رسمي يعيد لهم حقوقهم الضائعة. كما أنهم يطالبون بإصلاحات حقيقية، تشمل زيادة العلاوة السنوية إلى ما لا يقل عن 25%، ورفع الحد الأدنى للمعاش بما يتناسب مع متطلبات الحياة، فضلاً عن معالجة تأخير الصرف عبر البنوك وتقنين أوضاع الصناديق ذات الصلة.
المشهد أكبر من مجرد أرقام أو قرارات إدارية… إنه امتحان لقيمة الوفاء في هذا الوطن. كيف نطلب من الأجيال أن تعطي بإخلاص، إن كانت ترى من سبقها يواجه هذا المصير؟ وكيف نُقنع شاباً بحب العمل العام، إن كان نهايته قلقاً على معاش لا يكفي دواءه؟
أصحاب المعاشات اليوم يناشدون التدخل العاجل لإنهاء أزمتهم، ليس فقط لإنصافهم، بل لإعادة الاعتبار لفكرة الخدمة العامة نفسها. فالوطن الذي لا يكرم من خدموه، يضعف في عيون أبنائه.
يبقى السؤال مفتوحاً:
هل آن الأوان لنرد الدين لهؤلاء… قبل أن تنطفئ الشموع التي ما زالت تضيء لنا الطريق؟

زر الذهاب إلى الأعلى