تقارير

تضييق وعودة قسرية.. كسلا تحارب النازحين

وسط مركز ايواء يفتقد الى ابسط مقومات الحياة بمدينة كسلا شرقي السودان، قضت مروة محمد واسرتها ثلاث سنوات وهي تكافح في معارك يومية مع تجربة نزوح قاسية، حُرمت خلالها من كل شيء، ورغم قسوة واقعها الحالي فهي تواجه شبح الإعادة القسرية الى منزلها في العاصمة الخرطوم الذي غادرته بسبب الحرب.
ولم تكن مروة وهي -اسم مستعار التي تحدثت عن رغبتها في العودة الى العاصمة الخرطوم في الوقت الحالي لأن منزلها مُدمر ونُهبت جميع محتوياته وليس لها مكان تقيم فيه هناك، فضلا عن سماعها عن سوء الأحوال المعيشية في الخرطوم وسط نقص وغياب الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والكهرباء والخدمات العلاجية في بعض الأحياء السكنية.
مروة ليست وحدها فهناك آلاف النازحين في مدينة كسلا يواجهون مصير الإعادة القسرية الى مناطقهم التي نزحوا منها في الخرطوم والجزيرة وسنار بعدما بدأت السلطات في الحكومة التي يقودها الجيش في تفكيك بعض المخيمات ومراكز الإيواء في كسلا ضمن مخطط يهدف الى عودة جميع النازحين وفق شهادات جمعها مراسل (عاين).
وبحسب الشهادات فإن الإعادة القسرية شملت النازحين القادمين من اقليم دارفور غربي السودان الخاضع الى سيطرة قوات الدعم السريع، كما يعانون بشدة مع تراجع الإهتمام الرسمي بالنازحين ومضايقتهم ووقف كثير من الإعانات بما يدفع الكثيرون الى المغادرة نحو الخرطوم والجزيرة في اواسط السودان هربا من الواقع الصعب الذي برز في كسلا.
خطة حكومية
ولدى السلطات الحكومية في السودان خطة معلنة ترمي الى اعادة النازحين واللاجئين في الخارج الى العاصمة الخرطوم بغرض تعميرها وذلك بعد مضي حوالي عام على استعادة الجيش السيطرة عليها. وطوال الفترة الماضية كانت عودة السكان طواعية الى منازلهم ضعيفة نسبة لصعوبة الأوضاع والحياة.
ومع تضييق واسع يتعرض له النازحون في كسلا بغرض إعادتهم قسريا الى الخرطوم تستعيد مروة محمد ذكريات نزوحها لأول مرة من الخرطوم تحت النيران الى ود مدني ومرة اخرى من ود مدني الى كسلا في شرق السودان وما تخلل ذلك من مآسيَ ولحظات قاسية تكافح الآن من اجل نسيانها.
تروي مروة ان السلطات الحكومية اخلتهم بالقوة الجبرية وبطريقة مهينة من احد المدارس كانوا يستغلونها كمركز لإيواء النازحين في كسلا وصاحب العملية تهديد وعنف وضرب لمدة يومين وبعد ذلك توجهت الى مخيم غرب مطار كسلا ومكثت فيه لمدة 6 أشهر، فلاحقتها السلطات هناك وتلقوا اخطارا بإخلاء المعسكر ايضا بحجة ان الأرض ملك لشخص، وان الحكومة لا ترغب في وجود نازحين داخل المدينة حسب وصفها.
إبعاد قسري
وواصلت مروة التنقل داخل مدينة كسلا وهي تقيم الآن في معسكر (مصنع البصل) بكسلا وتواجه شبح الإبعاد القسري مجددا وسط تصاعد مخاوفها من نقلها قسرا الى العاصمة الخرطوم.
المخاوف نفسها تسيطر على رؤية آدم – اسم مستعار لنازحة بكسلا- التي تخشى هي الأخرى من اعادتها قسرا الى الخرطوم بعد حملة تضييق تشنها السلطات الحكومية في كسلا على النازحين حيث اضطرت للتنقل داخل المخيمات ومراكز الإيواء في المدينة لعدة اشهر بسبب هذه المضايقات.
عند وصولها الى كسلا قادمة من ولاية الجزيرة التي نزحت اليها من الخرطوم اقامت رؤية آدم في احدى المدارس المخصصة كمركز لإيواء النازحين؛ فتم إخلاؤهم قسريا الى مخيم غرب مطار المدينة والذي تم اخلاؤه أيضا واستقر بها المقام في معسكر آخر داخل كسلا يسمى “معسكر الكرامة” بحسب حديثها مع (عاين).
ولم يمض طويلاً على اقامتها في معسكر الكرامة، طلبت منها السلطات الحكومية التسجيل في كشوفات العودة الطوعية الى الخرطوم هي وجميع النازحين المقيمين معها في هذا المعسكر.
تقول روية انها اضطرت للتسجيل للعودة إلى الخرطوم، رغم ان وضعها لا يسمح بذلك. فزوجها مريض وكل ممتلكاتهم نُهبت، كما ان منزلهم في الأساس كان بالإيجار، ولا تملك الآن مكانًا تعود اليه. تضيف انها ستعود، لكنها لا تعلم الى اين ستذهب خاصة وان لديها أطفالًا يحتاجون الى الرعاية والاستقرار.
حملات متواصلة
من جهتها تروي ام محمد وهي نازحة من نيالا بولاية جنوب دارفور في كسلا معاناتها مع حملات حكومية مستمرة في المدينة تهدف الى اخلاء المعسكرات من النازحين.
وتقول ام محمد خلال مقابلة مع (عاين) انها واجهت ما لم تراه من قبل. كلمات مهينة وسلوكيات مزعجة وكان التعامل معها قاسيا من قبل حكومة ولاية كسلا التي اخلتهم الى مخيم غرب المطار ومن ثم لاحقتهم هناك بسيارة محملة بمسلحين طالوبهم بمغادرة المخيم الجديد.
وبعد مضايقات شديدة اضطرت ام محمد للانتقال الى مركز ايواء (مصنع البصل) في مدينة كسلا ومع ذلك لم تتوقف الملاحقات، تضيف “في كل المراكز التي أقمت فيها تم اخلاء النازحين بالقوة الجبرية وصاحب ذلك عنف شديد وتهديد متواصل كان العساكر والمسلحون يهددوننا باستمرار”.
وكشفت ام محمد ان عدد من المسؤوليين الحكوميين في ولاية كسلا بينهم امين ديوان الزكاة ووكيل نيابة ومسؤول الرياضة زاروا مركز الإيواء الذي تقيم فيه وجمعوا النساء النازحات وابلغوهن بضرورة اخلاء المعسكر والعودة الى مناطقهم الأصلية بحجة ان الوضع أصبح آمنا كما شدد المسؤولون بأن الذين لا يرغبون في العودة يجب ان يجدوا مكانا آخر غير مراكز الإيواء للإقامة فيه، واعقب ذلك اخلاء قسري للمخيم بواسطة سيارات عسكرية مصحوبا بعنف شديد.
هذه الملاحقات والتضييق الحكومي واخلاء معسكر غرب المطار، اصبح العديد من النازحين في العراء حيث لجأت نحو 55 اسرة نازحة الى معسكر (مصنع البصل)، وهم يقيمون حاليا عند بوابته بينما خرج آخرون الى ضاحية (ريبا) في المدخل الغربي لمدينة كسلا، وهم يقيمون في ظلال بنايات تحت التشيد وسط ظروف انسانية معقدة ويقدر عددهم بحوالي 156 اسرة، بينما تبقت نحو 120 اسرة في معسكر الكرامة وفق ما رصده مراسل (عاين).
نزوح متكرر
تروي فاطمة آدم – اسم مستعار-، تجربتها منذ وصولها الى كسلا حيث تعرضت للنزوح داخليا ثلاث مرات كانت المرة الأولى من المدرسة الى معسكر غرب المطار ثم قبل أيام من رمضان نزحت مرة اخرى الى معسكر الكرامة في مصنع البصل بحي بات في كسلا.
تشير فاطمة التي تحدثت مع (عاين) الى ان حكومة ولاية كسلا كانت تحذرهم باستمرار بأنها لا ترغب في وجود نازحين من الخرطوم، واضافت ان النازحين تلقوا أوامر بالتسجيل للعودة الطوعية الى الخرطوم، وهو ما وصفته بأنه سلوك قسري.
وتوضح انها لا ترغب في العودة الى الخرطوم لأن منزلها هناك نُهب، وانهارت اجزاء كبيرة منه بسبب قذيفة مدفعية “دانة” كما ان زوجها يعمل في الأعمال الحرة بكسلا ما جعلها تشعر بالأمان نسبيا في المكان الحالي أكثر من غيره.
وتشير ايضا الى صعوبة بناء منزل جديد نظراً لارتفاع تكاليف البناء وقلة فرص العمل للعاملين في المهن الحرة، مما يزيد من صعوبة العودة إلى الخرطوم.
بعد فض معسكر غرب المطار شعرت فاطمة بالخوف من الأوامر الجديدة بإخلاء معسكر الكرامة.
وبما ان فاطمة كانت شاهدة على الطريقة العنيفة التي تم بها فض المعسكر السابق، خشيت على سلامتها وسلامة أطفالها مما دفعها الى اتخاذ قرار العودة الى الخرطوم، لكنها تؤكد أنها لم تفعل ذلك طوعاً، بل مجبرة على ذلك.
ومن المدخل الغربي لمدينة كسلا في منطقة ريبا تروي نازحة أخرى تحدثت مع (عاين) عن حجم المعاناة التي يعيشونها مع الملاحقات الحكومية المستمرة وهي أصبحت بلا حيلة كونها لا تستطيع العودة الى منزلها في إقليم دارفور المضطرب كما لا تملك خيارا للسكن في الخرطوم، بينما تواصل السلطات في كسلا التضييق عليها.
وتقول “تم منحنا مهلة قليلة لإخلاء المعسكر؛ مع منح الطلاب مهلة إضافية، فنحن نواجه مصيرا مجهولاً. لا نملك المال لإيجار سكن في المدينة. فقد تم إيقاف جميع المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها لنا المنظمات، مما تسبب في تفاقم الوضع الإنساني وحاولت مجموعة من النازحين التواصل مع مفوضية العون الإنساني للحديث حول اوضاعهم كونهم قادمين من مناطق غير آمنة لكن دون جدوى.
واوضحت هذه النازحة التي طلبت حجب اسمها بسبب الوضع الأمني ان السلطات الحكومية في كسلا سحبت 20 عربة تنكر مياه كانت تخدم النازحين بمياه الشرب، كما ازالت الخيام والمنازل داخل المخيمات مستخدمة القوة المفرطة ضد النازحين في كل هذه العمليات لافتة إلى ان مفوضية العون الإنساني وهي الجهة المسؤولة عن النازحين ظلت صامتة إزاء كل هذه الممارسات والإنتهاكات بحق النازحين في كسلا.
مصير مجهول
وتقول هذه النازحة “نواجه نحن النازحين في كسلا خاصة القادمين من دارفور مصيرا مجهولا بعد ان غادر بعض النازحين من الولايات الأخرى في اطار ما يسمى بالعودة الطوعية الى الولايات الآمنة” واضافت انهم حاليا من بين القلائل الذين لا يعرفون ماذا سيحدث لهم، مشيرةً الى شعورهم بالضياع وعدم اليقين وعبرت “نحن الآن جالسين في المعسكر وما عارفين مصيرنا شنو”.
الشعور ذاته، ينتاب اماني، وهي نازحة قادمة من الفاشر وصلت الى كسلا، وتقول خلال مقابلة مع (عاين) “نشعر بقلق شديد بعدما تم اخطارنا بضرورة إخلاء المعسكر الذي نقيم فيه، أين نذهب؟ نزحنا من دارفور هربا من الحرب، وجدت الأمن هنا واعتقدت ان كسلا جزء من السودان فكيف يتم اخلاؤنا بحجة ان الحكومة لا تريد نازحين؟ اين نذهب؟”.
وتتابع أماني انها اذا تم إخلاء المعسكر، فتضطر للذهاب الى اقرب شجرة لتقيم تحتها، معبرة عن الخطر والضياع الذي يواجههم كنازحين في كسلا.
بدوره اكد متطوع في كسلا ان عمليات التسجيل للعودة الطوعية استمرت لمدة شهر كامل، مشيرا الى ان اول الرحلات غادرت كسلا متجهة الى الخرطوم في 13 ابريل الماضي حاملة عدد كبيرا من النازحين الذين عادوا قسرا وما تزال العمليات مستمرة.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاءفيه هذه المادة من اعداد (شبكة عاين) لتعكس اوضاع النازحين في ولاية كسلا. وتشير المعلومات التي رصدتها المادة الى ان اكثر من 150 اسرة عاشت صراعا مع الحكومة المحلية في كسلا التي اتخذت إجراءات غير إنسانية لتجفيف معسكرات النزوح الى اراضيها اذ ترغب حكومة كسلا في تجفيف معسكرات النزوح بحجة استتباب الأمن في العاصمة الخرطوم.
تقول نازحة وصلت الى كسلا قادمة من دارفور: “نواجه مصيرا مجهولا بعد ان غادر بعض النازحين من الولايات الأخرى مدينة كسلا في إطار ما يسمى بالعودة الطوعية إلى الولايات الآمنة”.

زر الذهاب إلى الأعلى