
اختتمت في العاصمة الكينية نيروبي، الأربعاء الماضي، أعمال مؤتمر شباب السودان، الذي استمر لمدة خمسة أيام، وجاء تحت شعار “صوت واحد، وطن واحد، مستقبل واحد”، بمشاركة أكثر من (42) جسماً، مكوّنة من مبادرات شبابية، وشباب الأحزاب السياسية، وتنظيمات مهنية، ومجموعات نسوية، ومستقلين من داخل السودان ودول اللجوء والشتات، إذ شملت هذه المشاركات كينيا، يوغندا، جنوب السودان، تشاد، مصر، وإثيوبيا، إضافة إلى مشاركة أجسام وأفراد من معسكرات النزوح واللجوء، بما في ذلك معسكر كاكوما (كينيا)، ومعسكر بيالي (يوغندا)، ومعسكر قروم (جنوب السودان)، ومن معسكرات شرق تشاد.
وأشار البيان الختامي للمؤتمر إلى الظروف العصبية التي يمر بها السودان، والمعاناة التي يعيشها السودانيون في البلاد، داخل مخيمات النزوح ودول اللجوء والشتات.
مسؤولية الشباب
وقال البيان الختامي إن المؤتمر استلهم نضالات السودانيين والسودانيات عبر مختلف المراحل، واستحضر بصورة خاصة التضحيات العظيمة التي قدمها الشباب والشابات في ميادين النضال السلمي، وأكد المشاركون في المؤتمر استكمال مهام وأدبيات ثورة ديسمبر المجيدة التي عبّرت عن تطلعات السودانيين في الحرية والسلام والعدالة.
وأعلن الشباب المشاركون نجاح أعمال المؤتمر، الذي وصفوه بأنه يسعى لتجاوز حالة التشظي التنظيمي لصياغة رؤية وطنية تعكس أولويات الشباب وتطلعاتهم في هذه المرحلة المفصلية، وفقاً لنص البيان.
الرؤية
وشملت الرؤية التي أجازها المؤتمر التزاماً صارماً بقيم ثورة ديسمبر المجيدة ومكتسباتها الشعبية ومطالبها، وقال البيان إن الشباب يستشعرون مسؤولية تاريخية تجاه معاناة السودانيين منذ الحروب السابقة وصولاً إلى حرب 15 أبريل 2023، مؤكدين رفضهم القاطع لعسكرة المجال العام، ومناهضة كافة أشكال العنف وخطابات الكراهية، إضافة إلى التمسك بوحدة السودان أرضاً وشعباً، ورفض مشاريع التقسيم والتفتيت.
وشملت الرؤية اعتماد تصنيف المؤتمر الوطني وواجهاته جماعة إرهابية، لكونها أوصلت المجال العام في السودان إلى حالة التهميش الحالية، موجهين الدعوة للمجتمع الدولي لتصنيفها جماعة إرهابية. وأدان الشباب كل أطراف النزاع وميليشياتها، مع التأكيد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وناشد المشاركون في المؤتمر أطراف الحرب وحلفاءهم الوقف الفوري لإطلاق النار، والدخول المباشر في هدنة إنسانية عاجلة توقف معاناة الشعب السوداني، مع التأكيد على أن الحل الجذري للأزمة السودانية يكمن في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون.
إنجازات تأسيسية
أجاز المؤتمر إطاراً تنسيقياً مشتركاً مرناً وفعالاً يجمع التشكيلات الشبابية تحت مظلة واحدة، لإنهاء تضارب الجهود وتحويل القوة الشبابية إلى كتلة قادرة على التأثير في صناعة القرار الوطني والدولي.
كما اعتمد الميثاق الأخلاقي قواعداً للسلوك ترتكز على الاستقلالية التامة عن أطراف النزاع، والتصنيفات الحزبية، والشفافية في إدارة الموارد، والالتزام بالمهنية والكفاءة كمعايير أساسية للقيادة.
فيما تضمنت الرؤية الاستراتيجية للبناء التوافق على مسارات، من بينها “التنظيم والتنسيق، بناء القدرات، والمشاركة السياسية المباشرة”، وذلك لضمان وجود الشباب كفاعل أساسي في عمليات التفاوض وبناء السلام وإعادة الإعمار.
وطالب المؤتمر بإشراك الشباب والشابات في أي عملية سياسية تقود لسلام دائم، لضمان إغلاق دائرة الحروب الشريرة مرة وإلى الأبد.
أولوية العمل
وتضمن البيان الختامي أولوية إنهاء الحرب وبناء السلام، وتحقيق وقف إطلاق نار شامل لحماية المدنيين، مع ضمان العدالة والمحاسبة ومكافحة خطاب الكراهية، إلى جانب توطين الاستجابة الإنسانية وحماية النازحين واللاجئين، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم.
كما أشار البيان إلى ضرورة العمل على الوصول إلى حكومة مدنية ديمقراطية، ودعم مسار سياسي، وسيادة حكم القانون والإصلاح العدلي والعدالة الانتقالية، بإنشاء منظومة العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، طالب المؤتمر بتوفير فرص العمل ودعم المشاريع الشبابية، مع تطوير التعليم وضمان عدالة توزيع الفرص، وفي جانب المجتمع والثقافة، أشار المؤتمرون إلى ضرورة تعزيز الهوية الوطنية الشبابية وتوظيف الفنون كأدوات للتغيير، مطالبين ببناء جيش مهني واحد وإصلاح المؤسسات الأمنية.
رفض للحرب
وأرسل المؤتمرون رسالة برفض الحرب، قائلين إن هذا المؤتمر ليس مجرد حدث عابر، بل هو حجر الزاوية لبناء كتلة مدنية صلبة، ودعوا كافة الشباب في السودان وفي مخيمات النزوح واللجوء للالتفاف حول هذا “الإطار التنسيقي”، وتجاوز الخلافات الثانوية من أجل الهدف الأسمى الذي وصفوه بأنه “سودان موحد، مدني، ديمقراطي، ومستقر”.
عهد وطني
وأشار البيان الختامي للمؤتمر إلى أن المشاركين، إذ يوقعون على بيانهم الختامي وميثاقهم، فإنهم لا يكتفون بإعلان موقف، بل يعقدون عهداً وطنياً صادقاً يلتزمون فيه بأن يكونوا صوتاً للحياة في وجه الحرب، وصوتاً للسلام، وحراساً للحلم المدني الديمقراطي الذي يستحقه شعبنا.
مجددين التزامهم بالعمل المشترك، والانحياز الكامل للمدنيين، وصون كرامة الإنسان السوداني دون تمييز، وحماية التنوع الذي يشكل جوهر وحدتنا ومصدر قوتنا.
وأكد المؤتمرون أن اختلافهم مصدر غنى، وأن وحدتهم حول القيم هي الطريق لبناء وطن آمن وعادل وديمقراطي، معلنين في الختام التوقيع على هذا الميثاق الذي خرج به المؤتمر التزاماً أمام الشعب السوداني، وأنه أمانة في أعناقهم لا يمكن الحياد عنها.
مسؤولية وواجب سياسي
بدوره، قال الموقع نيابة على ميثاق الشرف والبيان الختامي للمؤتمر، بدر الصادق شرف الدين، من فئة لجان المقاومة وعضو المكتب التنفيذي للجنة الشباب بـ”صمود”، إن “السلام ليس جريمة، بل هو واجب أخلاقي وسياسي تجاه شعبنا، همّنا الأساسي سيظل هو تماسك وطننا شعباً وأرضاً، والحفاظ على حياة المدنيين، وتوسيع مساحة العمل المدني، والعمل الجاد على تقليص عسكرة المجتمع”.
وأضاف: “كان التوقيع باسم التحالف تعبيراً عن موقف واضح، وهو إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، والانحياز الكامل لقضايا شعبنا”.
ووصف فعاليات المؤتمر بأنها شهدت “الكثير من الجهد والتعب”، لكنها تُوِّجت بمنتوج شبابي مهم يعكس وعياً ومسؤولية، ويساهم في دفع مسار السودان نحو الاستقرار، والحفاظ على مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة، وتابع: “السودان لم يكن يوماً حدثاً عابراً، بل كان وما زال قضيتنا، وأملنا، والطريق الذي نمضي فيه بثبات”.



