


في يوم الأربعاء، 24 مايو 1983م، كان النيل على موعد مع ليلة لم ترحم صرخات العالقين بين جحيم النار وعمق المياه.
بدأت القصة بباخرة تحمل اسم “العاشر من رمضان”، انطلقت من أسوان نحو وادي حلفا وهي تحمل على متنها 750 روحاً، لكل منهم حكاية؛ مريض يرجو الشفاء، وتاجر يطارد رزقه، ووزير سابق هو عمر مصطفى المك، وخمسون زهرة من طالبات مدرسة “الخير حاج موسى” الثانوية بالجريف شرق، خرجن في رحلة علمية ولم يعد منهن سوى الناجية الوحيدة، الأستاذة آمال يس لتبقى شاهدة حية على الفاجعة.
اندلع الحريق في المطبخ، وبسبب حاجز قماشي تافه كان يفصل بين صالات النساء والرجال، انتقلت النيران بسرعة البرق لتجد وقوداً جاهزاً؛ أسطوانات غاز وبراميل وقود مُهربة حولت الباخرة إلى قطعة من جحيم.
وتحت وطأة الانفجارات، لم يكن هناك خيار سوى الارتماء في حضن النيل، لكن الموت كان يترصد الجميع من كل جانب.
ما زاد الفاجعة إيلاماً هو أن من نجا من ألسنة اللهب واجه الموت غرقاً، ومن وصل إلى الشواطئ الصخرية الوعرة واجه خطر العقارب السامة في تلك المنطقة المعزولة، مما جعل فرص النجاة ضئيلة جداً.
وبينما كان الموت يلتهم 350 نفساً، كانت الخديعة الكبرى تحاك في الخرطوم؛ ففي صباح 25 مايو، وبينما كانت العائلات في “الجريف شرق” وغيرها تعيش القلق، اختارت السلطات الصمت التام.
لم يبث الخبر في وسائل الإعلام المحلية حتى لا تفسد احتفالات “ثورة مايو” المخطط لها في شارع النيل.
لم يعرف السودانيون بحجم المصيبة إلا عبر أثير “إذاعة لندن” في ذلك الصباح، مما فجر موجة من الاستنكار الشعبي تجاه هذا الاسترخاص لأرواح الناس.
رحل الضحايا، ونجا نحو 300 راكب بجراح في الروح لا تبرأ، ولكن المأساة الحقيقية التي لا تزال قائمة هي أن نتائج التحقيقات بقيت طي الكتمان، ولم يتم تعويض أهالي الضحايا حتى يومنا هذا، وكأن دماءهم التي خضبت مياه البحيرة لم تكن كافية لانتزاع العدالة.



