الحروب، في مجملها، تبدأ بالكلام؛ ثم تمضي إلى مرحلة التشدّق بالنصر، حيث يُشحَن الوجدان الجمعي بفرضية الدفاع عن الكرامة واستعادة المفقود، سواء أكان ترابًا أم حقوقًا أم مقتنيات. غير أنّها، حين يطول أمدها في كرٍّ وفرٍّ بلا حسمٍ بيّن، تبدأ ملامحها في التبدّل؛ فتفتر هِمم المقاتلين على تعدد جبهاتهم، أو تتسلل عناصر خارجية توظّف الصراع لخدمة مصالحها، فتستنزف الموارد وتُعطِّل الطاقات.
ولنا في حربنا الراهنة أسوأ مثال على هذه الاستطالة؛ إذ أصابت البلاد خرابًا، وألقت بالعباد في شتاتٍ مرير. وتحولت مواقف كثيرين من عامة الناس من ضفة التصفيق لصوت البنادق إلى صمتٍ خجول، يترقّب مواكب السلام وهي تلوح من وراء ضباب التعنّت والتشدد من جهة، والقبول المتردد من جهة أخرى.
ذلك هو، في جوهره، المسار الذي تسلكه الحروب حين تعجز عن الحسم: تنزلق من خطاب الكرامة إلى مستنقع الكراهة، ومن وحدة الهدف إلى تباين الأهواء. وما نشهده اليوم في نزاعات العالم المختلفة — كالحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الإقليم بين أطراف متعددة — ليس ببعيد عن هذا النمط؛ حيث تتبدل الشعارات، وتُعاد صياغة الغايات وفق ميزان الاستنزاف لا الانتصار.
وفي خضم هذه التحولات، تسعى أطراف النزاع إلى السلام، ولكن لا من بوابة الاعتراف المتبادل أو التنازل المسؤول، بل عبر مكابرةٍ تتكئ على شروطٍ تعجيزية؛ إمّا استنادًا إلى سردية تفترض ضعف الخصم، أو طمعًا في انتزاع تنازلاتٍ إضافية تحفظ ماء الوجه بادعاء نصرٍ لم يتحقق في ميادين القتال، فيُراد له أن يُصاغ على طاولة التفاوض.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فالحرب التي اندلعت باسم الكرامة، قد تنتهي — إن لم يُتدارك مسارها — بتكريس الكراهة، وتوريثها للأجيال، بوصفها الغنيمة الأثقل والأبقى.



