
في لحظة فارقة من عمر الصراع الدامي في البلاد، وبعد ثلاث سنوات من الحرب المدمرة التي أرهقت السودانيين، التقت منتصف الشهر الماضي إرادة دولية وإقليمية غير مسبوقة في العاصمة الألمانية برلين لتطلق نداءً موحداً مفاده “يجب أن توقف الحرب الآن في السودان”.
اجتماع برلين لم يكن مجرد اجتماع دبلوماسي حسبما يرى مراقبون، بل محطة حملت في طياتها وثيقة متفقاً عليها من قوى كبرى في العالم ومنظمات إقليمية ودولية ودول جوار سوداني، وخارطة طريق عنوانها الأبرز الحفاظ على وحدة السودان وتجريم الدعم الخارجي للحرب وحماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية دون قيد أو شرط.
ليست مجرد كلمات
مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قال إن مبادئ برلين ليست مجرد كلمات، بل تعكس التزاماً جماعياً راسخاً بإنهاء الحرب ودعم مستقبل سلمي للسودان. وشدد بولس في تغريدة على منصة إكس على ضرورة إنهاء الحرب في البلاد بشكل فوري يتماشى مع الرسالة الموحدة التي وضعتها اجتماعات برلين في بريد أطراف النزاع في السودان، مؤكداً الاتفاق على إجراءات عاجلة تشمل هدنة إنسانية فورية يتبعها وقف لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بالكامل وتوفير التمويل اللازم لها، والاعتراف بأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة، ووقف كافة أشكال الدعم العسكري الخارجي، والعمل على دفع عجلة مفاوضات السلام بشكل عاجل ومستدام.
دعم إنساني
وبينما أضاء المؤتمر شمعة الأمل بتعهده بتقديم نحو 1.5 مليار يورو للإغاثة، كان الصوت المدني السوداني حاضراً بقوة، مؤكداً أنه لا حل عسكرياً، وأن المستقبل تُقرره عملية سياسية شاملة ذات ملكية يقودها أبناء السودان أنفسهم، وصولاً إلى انتقال مدني ديمقراطي يُنهي دورات العنف ويفتح الباب للتعافي وإعادة الإعمار. هكذا علا صوت تحالف القوى الوطنية الديمقراطية “صمود” داخل قاعة المؤتمر، داعياً جميع الأطراف إلى التعامل الجاد مع مضامين وثيقة برلين والبناء عليها كمدخل عملي لوقف الحرب، والشروع في مسار سياسي يقود إلى استعادة الدولة وبناء نظام ديمقراطي قائم على الحرية والسلام والعدالة، وقال التحالف إن التوافق الدولي الواسع يمثل فرصة مهمة تتطلب شحذ الإرادة الوطنية لوضع حد لهذه الحرب الإجرامية التي دمرت البلاد وأودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين العزل َشردت الملايين، مضيفة أن مبادىء جاءت متسلقة مع المنادين بوقف الحرب، التوتقين لاحلال السلام في كل أرجاء البلاد.
لا حل عسكري
المؤتمر وضع مبادئ تواثقت عليها كل الدول والمنظمات، أقرت برفض الحل العسكري للأزمة وضرورة أن يتفق الجميع على هدنة إنسانية تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار، والالتزام الكامل بتدابير خفض التصعيد بما في ذلك خطوات بناء الثقة وإنشاء آليات الرصد والتحقق كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، وإنهاء أي دعم مباشر أو غير مباشر من خارج السودان، وضمان وصول إنساني سريع وآمن مع حماية المدنيين بمن فيهم الفتيات والنساء اللواتي ما زلن معرضات لخطر كبير للعنف الجنسي، واحترام حرية التنقل.
أكد المجتمعون وفقاً للبيان الختامي للمؤتمر على التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الفظائع الشنيعة، وملاحقة مرتكبيها قضائياً مما يسهم في المصالحة والسلام المستدام، كما نبهوا إلى دعم النازحين والمجتمعات المتضررة للتعافي، ومساعدة جهود العدالة الانتقالية في السودان، والتزامهم بدعم الاقتصاد وإعادة الإعمار بملكية سودانية وقيادة وطنية بهدف استعادة سبل العيش، والخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، وتعزيز القدرات المؤسسية، وتهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية والكريمة للنازحين واللاجئين.



