
✍️ بقلم: Omar Gmar
لم تعد المعركة في السودان تُدار بالبندقية وحدها، بل دخلت مرحلة أخطر؛ مرحلة تجفيف المنابع المالية. الصراع اليوم لم يعد على الأرض فقط، بل على الحسابات البنكية، الشركات، الأصول، والاستثمارات الممتدة عبر القارات. في ظل التحولات الأخيرة، ومع تصاعد التصنيف السياسي والأمني لبعض التيارات، بدأت ملامح حرب مالية دولية صامتة تتشكل، تستهدف الشبكات الاقتصادية المرتبطة بجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها ما يُعرف شعبيًا بالكيزان.
طوال سنوات، اعتمدت هذه الشبكات على منظومة مالية معقدة، تشمل شركات واجهة، واستثمارات في العقارات، وأنشطة تجارية في البترول والسلع، إلى جانب تحويلات مالية تمر عبر بنوك محلية ودولية بطرق ملتوية. لكن هذه المنظومة لم تعد تعمل في الظل كما في السابق، إذ أصبحت اليوم تحت رقابة دقيقة، بفعل تطور أدوات التتبع المالي والتشريعات الدولية الصارمة.
وفقًا لـ International Convention for the Suppression of the Financing of Terrorism فإن أي تمويل مباشر أو غير مباشر لأنشطة مصنفة إرهابية يُعد جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، مع إلزام الدول بتجميد ومصادرة الأصول المرتبطة بذلك. كما يفرض القرار United Nations Security Council Resolution 1373 على الدول اتخاذ إجراءات حاسمة تشمل تجميد الحسابات، ومنع التحويلات، والتعاون في تبادل المعلومات المالية، ما يجعل أي نشاط مالي مشبوه عرضة للرصد والتجميد في أي لحظة.
يقود هذا النظام العالمي للرقابة المالية جهات مثل Financial Action Task Force التي وضعت معايير صارمة تلزم البنوك والمؤسسات المالية بمعرفة المالك الحقيقي للشركات، وتتبع التحويلات البنكية، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة. وبهذا، لم تعد الشركات الوهمية ملاذًا آمنًا، ولم تعد الحسابات السرية بعيدة عن أعين الرقابة، بل أصبحت كل حركة مالية قابلة للتحليل والتتبع.
في السابق، كانت الأموال تُهرّب وتُعاد تدويرها عبر شراء العقارات في الخارج، أو إنشاء شركات طيران بأسماء أفراد، أو الاستثمار في قطاعات مثل البترول والتجارة. لكن في ظل القوانين الحالية، فإن أي أصل لا يمكن تبرير مصدره يصبح هدفًا مباشرًا للمساءلة القانونية، وقد ينتهي بتجميده أو مصادرته ضمن إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
عمليًا، نحن أمام مرحلة جديدة تتسم بتتبع شامل للحركة المالية، وتجميد الحسابات المشبوهة، وحجز الأصول داخل وخارج السودان، إلى جانب ملاحقة قانونية للأفراد والشركات المرتبطة بهذه الشبكات. وقد تمتد هذه الإجراءات إلى مصادرة الأموال لصالح الدولة، في حال ثبوت ارتباطها بأنشطة غير مشروعة.
ما يزيد من خطورة هذا المشهد هو مستوى التنسيق الدولي، حيث لا تعمل هذه الإجراءات بشكل منفرد، بل ضمن شبكة تعاون تشمل تبادل المعلومات المالية، والتنسيق الأمني، والإنابات القضائية العابرة للحدود. هذا الترابط يجعل من الصعب إخفاء الأموال أو إعادة تدويرها، ويضيق الخناق على أي شبكة مالية تعمل خارج الإطار القانوني.
أن ما يجري اليوم ليس مجرد تضييق مالي، بل تفكيك اقتصادي ممنهج لشبكات ظلت تعمل لسنوات في بيئة أقل رقابة. هذه الشبكات تواجه الآن انكشافًا ماليًا واسعًا، وحصارًا قانونيًا متصاعدًا، قد ينتهي بالمصادرة والمحاسبة.
⚖️ جرعة وعي
في عالم اليوم، لم يعد المال وسيلة للحماية، بل قد يتحول إلى الدليل الأقوى على السقوط.



