
✍️ محمدالفاتح حضرة
السودانيون لم يفشلوا لأنهم بلا ثورات… بل لأنهم في كل مرة يخلطون ما بين الثورة وما بين بناء الدولة ، وكأنهما مهمة واحدة تُنجز بالشعارات.
هذا ديدن الثورات في السودان..
🫵ولهذا ظلت ذات النتيجة تتكرر دائماً: حلم كبير… ثم صدام مع الواقع… ثم انهيار جديد.
ثورة ديسمبر 2018 لم تكن خطأً..
و لكن الخطأ كان في الاعتقاد أنها كافية وحدها لصناعة دولة حديثة.
في 2019 لم تكن هنالك دولة أصلًا..
كان المشهد شديد التعقيد: جيش له وزن سياسي، دعم سريع قوة قائمة بذاتها، حركات مسلحة، اقتصاد منهك، ونظام سياسي يدير الدولة بلا جهاز تنفيذي .
🫵بمعنى أدق:
لم تكن هناك دولة جاهزة للإصلاح… بل دولة تحتاج الي إعادة التكوين والتأسيس.
🫵في تلك هذه اللحظة بدأ الاختبار الحقيقي للثورة.
فجأةً..
🫵تحولت كل شعارات شباب الثورة إلى برنامج أحلام وأمنيات يجب علي قوي الحرية والتغيير و الحكومة الإنتقالية تنفيذه فوراً:
🫵حل الدعم السريع فوراً
🫵عودة الجيش إلى الثكنات فوراً
🫵تفكيك كل بنية النظام السابق فوراً
🫵وإقصاء كل جماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني والقضاء علي الدولة العميقة فوراً ‼️
لكن السؤال الذي تم تجاهله كان بسيطاً وقاسياً:
🤔بأي أدوات؟
🤔 وبأي ميزان قوة؟
🤔وبأي دولة أصلًا؟
الواقع كان أبعد بكثير من كل هذه التوقعات.
فالجيش لم يكن مؤسسة محايدة خارج السياسة، والدعم السريع كان قوة أمر واقع على الأرض، والحركات المسلحة جزء من معادلة السلاح، وقوى الثورة والقوى المدنية والسياسية نفسها لم تكن موحدة أو مستقرة.
🫵وكانت النتيجة أن كل طرف من هذه الأطراف تحرك بمنطق واحد: حماية موقعه في السلطة ، لا بناء الدولة نفسها. ‼️
ومن هنا نشأت و تشكلت تحالفات معقدة ومؤقتة بين قوى مختلفة ، عسكرية ومدنية، دينية و علمانية : ليس لأنها متفقة… بل لأنها تخشى الإقصاء أو فقدان النفوذ في لحظة انتقال غامضة.
في هذا المشهد ، تم ابرام الإتفاق السياسيي مع المجلس العسكري الإنتقالي
وجاءت الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي كمحاولة من قوي الحرية والتغيير لأجل إدارة هذا الواقع المستحيل، لا لصناعة نموذج مكتمل.
ثم صار لاحقاً الدكتور عبد الله حمدوك جزءاً من هذا المسار: ليس قائد صراع، بل مدير مرحلة إنتقال.
حاول حمدوك:
منع انهيار الدولة
فتح الاقتصاد تدريجياً
إعادة العلاقات الدولية
وإدارة توازن حساس بين قوى مدنية وعسكرية متناقضة متشاكسة.
لكن في بيئة ثورية تريد نتائج فورية، كان التدرج الذي يقوم به الدكتور عبدالله حمدوك يُقرأ كضعف، وكانت الواقعية تُقرأ كتردد.
🫵وهنا حدثت واحدة من أخطر الانقسامات: بين منطق الدولة ومنطق الثورة.
جزء من شباب الثورة (بدافع الحماس لا سوء النية) تحول من دعم التغيير إلى الضغط باتجاه حلول فورية:
حل سريع لكل التشكيلات المسلحة
تفكيك كامل وفوري لكل بنية قديمة
وإقصاء شامل لكل من ارتبط بالماضي
لكن هذا الطرح تجاهل حقيقة أساسية: أن الدولة لا تُعاد هندستها في لحظة، خصوصاً وهي ما تزال قيد التشكل.
وفي المقابل، تعرضت فكرة “التدرج” نفسها لسوء فهم حاد: فتمت مساواة الواقعية السياسية بالضعف، ومساواة إدارة التوازنات بالتنازل وبيع الدم ، رغم أنها كانت محاولة لمنع الانفجار الشامل.
ومع تصاعد الضغط من كل الاتجاهات:
الشارع
القوى السياسية
المؤسسة العسكرية
والقوى المسلحة
بدأت معادلة الانتقال تفقد توازنها و قوتها تدريجياً.
وفي الدول الهشة، لا يحتاج الانهيار إلى حدث واحد كبير… يكفي فقدان الثقة بين الفاعلين الأساسيين.
🫵وهكذا كانت النتيجة هي : انقلاب 25 أكتوبر 2021 وإنهيار المسار الانتقالي.
تفاصيل المشكلة السودانية أعمق من ذلك بكثير.
فالسودان لا يعاني فقط من أزمة حكم… بل من أزمة تصور الدولة نفسها:
دولة بلا احتكار واضح للقوة
واقتصاد حرب يخلق مراكز نفوذ
وتعدد مسلح داخل السياسة
وغياب اتفاق وطني على شكل المستقبل
🫵وفي قلب هذا التعقيد، تظهر أوهام خطيرةتظل تتكرر:
🫵أن الإقصاء الكامل للآخر ممكن
🫵و أن الحلول السريعة السحرية موجودة وقابلة للتطبيق الفوري
🫵و أن الشعارات والهتافات وحدها تكفي لتصنع دولة.
🧐لكن التجربة السودانية قالت شيئاً مختلفًا تماماً: الجيش لن يُلغى وجوده في المشهد السياسي بمجرد رفع شعار العسكر للثكنات..
ولا قوات الدعم السريع ستختفي بمجرد صدور قرار بالحلّ أو الدمجّ
الخلافات السياسية لا تُحل بالبندقية
و الدولة لا تُبنى بالقفز فوق الواقع
🧐 🤔 هل الحرب والإنفصال وتمزيف السودان هو الحلّ؟!
الي من أسسوا و أقاموا حكومة في غرب وجنوب السودان ..
🫵دونكم تجربة إنفصال جنوب السودان..
🟢فرانسيس دينق وتجربة جنوب السودان: حين لا يحلّ التقسيم جذور الأزمة
تجربة جنوب السودان تقدم واحدة من أهم الدروس في فهم تعقيد الدولة السودانية. فقد كان الانفصال عام 2011 يُقدَّم كحل نهائي لإنهاء الصراع التاريخي، لكنه عمليًا لم يُنهِ أسباب الأزمة بقدر ما أعاد إنتاجها في شكل دولة جديدة تواجه بدورها حروبًا داخلية وصراعات على السلطة والموارد. ومن هنا تأتي خلاصة المفكر فرانسيس دينق، أحد أبرز من درسوا بنية الدولة السودانية، حين أشار إلى أن المشكلة ليست في “حدود الدولة” بقدر ما هي في “طريقة إدارة التنوع والسلطة داخلها”. فبحسب هذا المنظور، لم يكن الانفصال علاجًا جذريًا، بل نقلًا للأزمة من فضاء واحد إلى فضاء آخر، لأن غياب عقد سياسي جامع داخل أي كيان جديد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات نفسها بأشكال مختلفة. لذلك، فإن تجربة جنوب السودان، كما يوضح فرانسيس دينق، تكشف أن التقسيم قد يغيّر الجغرافيا لكنه لا يعالج جوهر المشكلة إذا بقيت بنية الحكم والصراع كما هي.
🛑الخلاصة الصادمة
السودان لا يحتاج المزيد من الشعارات والهتافات والمظاهرات والمواكب …
ولا يحتاج الي الحروب والقتال والإنفصال..
🧐🫵 بل يحتاج مواجهة حقيقة واحدة مؤلمة:
الدولة لا تُبنى بالنصر على الخصوم السياسيين وإقصائهم…
🫵بل بإدارة هذا التنوع وتحويل الصراع إلى عقد سياسي إجتماعي يجعل الوطن قابل للحياة ، للجميع.
🧐🫵من يرفض هذا الواقع… سيعيد إنتاج نفس الدائرة: حلم جميل… ثم إستعجال… ثم صدام… ثم إنهيار.
الواقعية ليست تنازلاً عن الثورة…
🫵بل هي الشرط الأساسي لكي لا تتحول الثورة إلى دورة فشل جديدة.



