الأعمدة

اللصوصُ والجناةُ في حرب السودان هم ذاتُ الضحاياِ والمجنيِّ عليهم لاحقًا

✍️ محمد الفاتح حضرة
من أخطرِ الأوهام التي ظل يعيش داخلها كثيرٌ من السودانيين طوال هذه الحرب…
أنهم يظنون أن كل ما جرى سببه فقط:
الدعم السريع…
أو القحاطة…
أو الإمارات…
أو الكيزان والعسكر الانقلابين وشركائهم…
أو المؤامرات الخارجية‼️
بينما الحقيقةُ الأكثر مرارةً، والتي يهرب منها الجميع، هي أن هذه الحرب كشفت كذلك عيوبًا عميقةً ومتجذرة داخل المجتمع السوداني نفسه‼️
نعم…
لا أحد يستطيع تبرئة قوات الدعم السريع من الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتُكبت أثناء احتلال الخرطوم والجزيرة وغيرها من المناطق‼️
لكن كذلك لا يمكن إنكار الحقيقة الأخرى:
أن قطاعاتٍ واسعةً من المدنيين، ومن الجنود والعساكر والمستنفرين والمنتمين لمختلف التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية، شاركوا بصورةٍ مباشرة في عمليات النهب والسرقة واقتحام البيوت والأسواق والمصانع والاعتداء على ممتلكات الناس‼️
ولعل أكثر ما كان صادمًا أثناء الحرب…
أنك كنت ترى بعض الجنود أو المسلحين يقودون سيارات المدنيين المنهوبة بكل ثقة، فإذا سألته:
🫵 هذه السيارة لمن؟!
أجابك بكل بساطة:
“غنيمة‼️”
وهكذا تحولت السرقة عند البعض إلى “غنائم”‼️
وتحول الحرام إلى “رزق”‼️
وتحول النهب إلى “بطولة”‼️
وللأسف…
فإن هذه الظاهرة لم تكن محصورةً في جهةٍ عسكرية واحدة، بل انتشرت وسط مجموعاتٍ ومناطق عديدة، خاصة بعض الأحزمة حول الخرطوم، وبعض المناطق في شرق النيل وأم ضواً بان، وغيرها من البيئات التي تحولت أثناء الحرب إلى أسواقٍ ضخمة لبيع منهوبات المواطنين ومحتويات البيوت والمصانع‼️
والكارثةُ الأكبر…
أن بعض هذه المناطق معروفة أصلًا بكثرة الخلاوي وتعليم القرآن‼️
لكن ذلك كشف لنا حقيقةً مهمة جدًا:
🛑 أن التدين الشكلي وحده لا يكفي لصناعة مجتمعٍ مستقيم أخلاقيًا‼️
فقد رأينا بأعيننا من يوقف بيع البضائع المسروقة ليذهب إلى صلاة الظهر، ثم يعود بعدها ليواصل بيع المنهوبات وكأن شيئًا لم يكن‼️
ثلاجات…
غسالات…
أجهزة كهربائية…
مواتير مصانع…
أثاثات منازل…
سيارات…
مصوغات ذهبية…
كلها كانت تُباع علنًا في الأسواق‼️
وليس سرًا أن بعض الناس في تلك البيئات ظلوا يطلقون على هذه المنهوبات اسم: “غنائم”‼️
وللأسف…
فإن هذه الثقافة ليست وليدة الحرب فقط، بل هي نتاجُ عقودٍ طويلة من التهميش والإهمال والجهل وغياب الدولة والتنمية والتعليم الحقيقي‼️
فهناك مناطق واسعة في السودان تُركت لعشرات السنين بلا تعليم حقيقي، ولا مشاريع تنمية، ولا مؤسسات دولة محترمة، فضعفت فيها قيمة القانون، وتحولت القوة والسلاح والنهب عند بعض الفئات إلى وسيلة عيشٍ أو مظهر شجاعة ونفوذ‼️
ولذلك…
فإن ما حدث أثناء الحرب لم يكن خلقًا لظاهرة جديدة، بل كان انفجارًا لواقعٍ قديم ظل مختبئًا تحت السطح‼️
حتى ظاهرة “أسواق الحرامية” وتجارة المسروقات، ليست جديدة على السودان، بل معروفة منذ سنوات طويلة في بعض المناطق، لكن الحرب فقط جعلتها علنية وواسعة ومحمية بالسلاح والفوضى‼️
بل إن بعض القبائل والمجموعات التي اشتهرت تاريخيًا بالتهريب، نشطت أثناء الحرب في تهريب البشر واللاجئين إلى مصر وليبيا وتشاد، وتحولت الحرب عند البعض إلى “فرصة اقتصادية” كاملة‼️
لكن سبحان الله…
جاءت لعنةُ الحرام سريعًا‼️
فكثيرٌ من المناطق التي استقبلت تلك المنهوبات والمسروقات، وصلت إليها لاحقًا الحرب نفسها‼️
فاحترقت البيوت…
ونهبت الممتلكات…
وتشرد الناس…
وضاعت تلك “الغنائم” التي ظنّ البعض أنها رزقٌ وبركة‼️
بل إن بعض الذين امتلأت بيوتهم بالمسروقات، أصبحوا لاحقًا يموتون جوعًا، لأن المجتمع كله انهار اقتصاديًا، ولم يعد هناك من يشتري أو يبيع‼️
🛑 إنها لعنةُ الحرام‼️
ولم تتوقف الكارثة عند النهب فقط…
بل تمددت إلى انهيارٍ اجتماعي وأخلاقي واسع:
▪️ تفكك أسري
▪️ انتشار العنف
▪️ ازدياد الاعتداءات والانتهاكات
▪️ انتشار الاستغلال الجنسي والبغاء بسبب الفقر والانهيار
▪️ وظهور أطفالٍ مجهولي الأبوين تُلقى أجساد بعضهم في الطرقات والمزابل والمراحيض‼️
هذه ليست مجرد آثار حرب…
بل علامات انهيار مجتمعٍ كامل إذا لم يتدارك نفسه‼️
والأخطر من ذلك كله…
أن كثيرًا من الذين حملوا السلاح لم تكن لديهم أصلًا عقيدة وطنية ولا أخلاق عسكرية حقيقية‼️
ولهذا رأينا مجموعاتٍ كاملة تنتقل بسهولة من صفوف الدعم السريع إلى صفوف الجيش، أو العكس، بمجرد تغير المصالح والقيادات‼️
يغيّرون فقط لون الزي العسكري…
لكن تبقى ذات العقليات وذات الممارسات‼️
وهذا ما حدث مع مجموعات عديدة، منها قوات ومستنفرون كانوا مع الدعم السريع ثم عادوا لاحقًا إلى القتال مع الجيش تحت لافتاتٍ جديدة‼️
ولهذا…
فإن أكبر خطأ يرتكبه السودانيون اليوم، هو محاولة الكذب على أنفسهم والهروب من مواجهة الحقيقة‼️
🛑 المشكلة ليست فقط في الدعم السريع…
وليست فقط في الجيش…
وليست فقط في السياسيين…
بل كذلك في الانهيار العميق داخل أجزاء من المجتمع نفسه‼️
وإذا لم يعترف السودانيون بهذه الحقيقة بشجاعة…
فلن تنتهي المأساة حتى لو توقفت الحرب غدًا‼️
فالنهب…
والسرقة…
والعنف…
والابتزاز…
والإدمان…
والبغاء…
وتجارة السلاح…
والجريمة المنظمة…
ستظل كامنة تحت السطح، تنتظر أي لحظة انهيار جديدة لتعود بصورةٍ أبشع‼️
ولهذا…
فإن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار أو اتفاقٍ سياسي، بل يحتاج إلى مشروعٍ وطني شامل لإعادة بناء الإنسان السوداني نفسه‼️
مشروعٌ يبدأ بـ: ▪️ التعليم الحقيقي
▪️ التنمية والعدالة بين الأقاليم
▪️ محاربة الجهل والفقر
▪️ إعادة بناء منظومة القيم والأخلاق
▪️ نشر الفهم الصحيح للدين
▪️ وبناء دولة قانونٍ ومؤسساتٍ حقيقية لا دولة مليشيات وفوضى‼️
إن الشعوب التي لا تواجه عيوبها بصدق…
تظل تدور داخل الكارثة نفسها مهما تغيّرت الرايات والشعارات والحكومات‼️
ولهذا…
فإن أخطر ما يمكن أن يفعله السودانيون الآن، هو الاستمرار في الهروب من الحقيقة والكذب على أنفسهم‼️
#السودان
#الحرب_في_السودان
#النهب
#الغنائم
#شرق_النيل
#أم_ضواً_بان
#الدعم_السريع
#الجيش_السوداني

زر الذهاب إلى الأعلى