الأعمدة

من الإفلاس إلى المجد: ليلة عاد فيها#ميلان للحياة


#روما،✍️ رضوان علي الحسن🇮🇹
في العاشر من فبراير عام 2026، أسدل الستار على واحد من أكثر الفصول إثارة للجدل والدراسة في تاريخ كرة القدم الإيطالية الحديثة. لم يكن المشهد احتفالاً بهدف في الدقيقة الأخيرة أو تتويجاً بكأس جديدة، بل كان هادئاً، صامتاً تقريباً، ويجري في أروقة المال والأعمال. أعلنت شركة “ريدبيرد كابيتال” لإدارة الاستثمارات عن إعادة تمويل آخر قرض متبقٍ من شركة “إليوت مانجمنت”، لتنتهي بذلك رسمياً فترة الوصاية المالية لصندوق التحوط الأمريكي على قلعة “إيه سي ميلان”. إنها لحظة تستحق الوقوف طويلاً أمامها، ليس لأنها تمثل خروج مستثمر ودخول آخر، بل لأنها تختزل قصة إنقاذ نادٍ عريق من هاوية الموت السريري، وكيف يمكن للمال، حين يُدار بعقل بارد وقلب منضبط، أن يكون طوق نجاة لا مجرد أداة ربح.
وقبل أن تطأ أقدام “إليوت” ممرات “سان سيرو” في صيف 2018، كانت صورة ميلان في الذاكرة الجمعية لا تزال تتغذى على أمجاد حقبة مضت. سبعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، تسعة عشر درعاً للدوري، ونجوم ملأت الدنيا وشغلت الناس. ولكن ما خفي كان أعظم. تحت عباءة المجد التي نسجها سيلفيو برلسكوني لعقود، كان الجسد المالي للنادي ينخر فيه سوس الاعتماد المطلق على المالك. كان برلسكوني، السياسي ورجل الأعمال الذي اشترى النادي عام 1986 وأنقذه حينها من انهيار محقق، قد بنى إمبراطورية رياضية على أساسات مالية هشة. كان يستثمر ببذخ، ويغطي الخسائر من جيبه الخاص عبر شركته “فينينفيست” دون بناء نموذج تجاري مستدام. في سنوات لاحقة، كشفت الأرقام عن الحقيقة المرة: مداخيل لا تغطي النفقات، خسائر تشغيلية تجاوزت سبعين مليون يورو سنوياً، واعتماد شبه كامل على بيع النجوم الكبار لسد العجز. لم يكن هناك استثمار حقيقي في قطاع الناشئين، باستثناء ومضات نادرة. باختصار، حين رحل برلسكوني، كان ميلان أشبه بقصر مهيب بُني على أرض رخوة.
وجاءت الكارثة الكبرى من الشرق. عندما استحوذت مجموعة “سينو-يوروب سبورتس” الصينية على النادي في 2016 وسط أحلام عريضة، بدا الأمر كدخول شريك ثري يبحث عن المجد. أنفقوا أكثر من مئتي مليون يورو في سوق انتقالات واحد، ضامين نجوماً مثل ليوناردو بونوتشي. لكن الحلم تبخر سريعاً. حين شددت الحكومة الصينية قبضتها على الاستثمارات الخارجية، جفت الأموال فجأة. كانت الصفقة قد مولت بقروض ضخمة، وعندما حل موعد السداد، تخلف المالك الصيني لي يونغ هونغ عن دفع 32 مليون يورو، لتنهار أحجار الدومينو. وجد ميلان نفسه غارقاً في الديون، بلا هوية، وبلا بوصلة. هنا، ومن حيث لا يتوقع أحد، دخل “المنقذ” الذي لم يطلبه أحد: صندوق تحوط. بالنسبة للجماهير، كان الأمر إهانة، صورة قاتمة لمستثمرين جشعين يستغلون تراث النادي. لكن الحقيقة كانت أعمق وأكثر تعقيداً.
وما قامت به “إليوت” في ميلان كان أقرب لعملية جراحية دقيقة في جسد مريض، منها إلى مغامرة استثمارية. لم يدخلوا ومعهم وعود براقة بالتعاقد مع ميسي أو رونالدو، بل دخلوا بدفتر حسابات وخطة إنقاذ. كانت استراتيجيتهم مبنية على ثلاثة محاور رئيسية وقاسية: تنظيف الميزانية من الديون المهددة للحياة، فرض نظام حوكمة صارم، وتنمية الإيرادات التجارية بشكل عضوي وثابت. في أول موسمين كاملين تحت إدارتهم، تكبد النادي خسائر تشغيلية طائلة، بلغت 187 مليون يورو في موسم 2019-2020 الذي ضربه كوفيد. ولكن المفاجأة المدوية أن “إليوت” لم تغطِ هذه الخسائر بديون جديدة تثقل كاهل النادي، بل ضخت الأموال من رأسمالها الخاص. استثمروا 265 مليون يورو في موسم 18/19 ومئة وخمسة وأربعين مليوناً في الموسم الذي تلاه. لم يكونوا يستنزفون النادي، بل كانوا يطعمونه أموالاً ليبقى على قيد الحياة، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً: أن يصبح ميلان كياناً قادراً على الوقوف على أقدامه اقتصادياً.
وبالتوازي مع جراحة الطوارئ، بدأت عملية إعادة بناء ذكية من الداخل. أدركت “إليوت” أن الإيرادات التجارية هي شريان الحياة لأي نادٍ حديث. استثمروا في عقول تجارية من العيار الثقيل، خاطفين كاسبر ستيلسفيغ من مانشستر يونايتد، وجيمس موراي من آرسنال. أعادوا هيكلة القسم التجاري بالكامل، وبدأوا في جني الثمار: قفزت عائدات الرعاية من 38 مليون يورو إلى 58 مليوناً في غضون سنوات، وتضاعفت الإيرادات التجارية الأخرى. لم يعد النادي يراهن على بيع نجم كبير ليعيش موسماً آخر، بل بدأ يبني تدفقات نقدية مستقرة ويمكن التنبؤ بها.
وعلى الجانب الرياضي، كانت الثورة أكثر دقة وإثارة. أعادوا أسطورة النادي باولو مالديني إلى واجهة القرار الفني، في إشارة ذكية لإعادة الروح والهوية. وفي لفتة تدل على عقلية “وول ستريت”، عينوا هندريك ألمشتات، الخبير في صناديق الاستثمار، لبناء نظام استكشاف وتحليل بالاعتماد على البيانات. كانت الرسالة واضحة: لا مجال للعواطف. القرارات تبنى على الأرقام. كان التجسيد الأوضح لهذه السياسة هو السماح برحيل الحارس الواعد جانلويجي دوناروما، ابن الأكاديمية، مجاناً إلى باريس سان جيرمان، لأن مطالبه المالية كانت ستهدد هيكل الرواتب. قلباً، كانت خسارة موجعة. عقلاً، كانت انتصاراً للاستراتيجية. النادي قرر ألا يرهن مستقبله بعقد واحد. في نفس الوقت، تحول التركيز إلى المواهب الشابة. بحلول أكتوبر 2020، كان ميلان يمتلك أصغر تشكيلة في الدوريات الأوروبية الكبرى بمتوسط أعمار 24.5 عاماً. لم يكن الهدف تقليل النفقات فقط، بل بناء أصول قابلة للارتفاع في القيمة، لاعبون يمكن تطويرهم وبيعهم بأرباح، بدلاً من شراء نجوم في آخر مشوارهم برواتب فلكية. أنفقوا بحكمة، وتحكموا في الرواتب بصرامة، والنتيجة: بينما قفزت الإيرادات من 164 مليون يورو إلى 287 مليوناً، بقيت الرواتب حول 148 مليوناً. النسبة التي كانت مرعبة (88% من الإيرادات تذهب للرواتب) انخفضت إلى 52% فقط، وهو مستوى صحي لأي نادٍ أوروبي طموح.
النجاح الرياضي لم يأتِ كالصاعقة، بل تسلل بهدوء كثمرة منطقية لهذا الاستقرار. بعد سنوات من الغياب، عاد ميلان لدوري الأبطال. وفي موسم 2021-2022، حدث ما يشبه المعجزة المنطقية: ميلان يتوج بطلاً للدوري الإيطالي بعد غياب أحد عشر عاماً. لم يكن اللقب ثمرة صفقة خرافية أو حظ أعمى. كان تتويجاً لعملية إعادة بناء شاملة، نفذت بصبر وعناء تحت قيادة المدرب ستيفانو بيولي، في بيئة هادئة وفرها الاستقرار المالي والإداري. اللقب كان الإعلان الرسمي: ميلان تعافى. لم يعد مريضاً.
وهنا، وفي قمة العود، كان الخروج. هذا هو الدرس الأهم في قصة إليوت. لم يبيعوا النادي وهو متعثر ليتخلصوا من الصداع، بل باعوه وهو بطل، وقد استعاد عافيته المالية والتجارية والتنظيمية. سلموه لـ “ريدبيرد كابيتال” جاهزاً للمرحلة التالية: مرحلة النمو. غادرت “إليوت” بهدوء، كما دخلت. لم يرفعوا كأساً، لكنهم بصمت، هم من وضعوا الأساس الذي رُفع عليه. في مشهد كرة قدم يعج بالمال السريع والاستثمارات غير المسؤولة التي تلتهم هوية الأندية، تقف حكاية إليوت مع ميلان كشهادة على أن رأس المال، حين يستخدم بعقلانية وليس بجشع، وحين يوضع في خدمة رؤية طويلة الأمد، يمكنه أن يعيد لنادٍ عظيم هيبته، ودينه، وكرامته، دون أن يفقده روحه. إنها ليست مجرد قصة إنقاذ مالي، بل نموذج لكيف يمكن لكرة القدم الحديثة أن تتعامل مع وحوش المال، بترويضها لا بمقاومتها.

زر الذهاب إلى الأعلى