
عبد الكريم البليخ
ما إن أشرق الصباح حتى بدا العالم كأنه ينهض من سباته الطويل على إيقاع قلبٍ جديد. انسكب الضوء بهدوء فوق الوجوه والأرصفة وأغصان الأشجار، فتألقت أوراقها بندى البدايات، بينما راحت العصافير تتنقل بخفّة بين الأغصان، كأنها تخيط بأجنحتها الصغيرة أثواب الأمل في فضاء لم تلوثه بعد ضوضاء النهار. كان المشهد أقرب إلى صلاة كونية صامتة، تستيقظ فيها الأشياء على معناها الأول، قبل أن تبتلعها قسوة العادة وتسارع الأيام.
وقفت أمام هذا الجمال مأخوذاً بسكون اللحظة، كأنني أخشى أن تتبدد سريعاً، أو أن تمر نسمة دون أن تحمل معها رسالة خفية من الضوء. شعرت بأن الصباح لا يوقظ الطبيعة وحدها، بل يوقظ في الإنسان شيئاً عميقاً كان نائماً في داخله؛ يوقظ حاجته إلى الطمأنينة، إلى المعنى، إلى أن يشعر بأنه ما زال قادراً على البدء من جديد مهما أثقلته الخسارات وأتعبته الطرق الطويلة.
ومن عمق هذا التأمّل، أخذت الأسئلة تتصاعد في داخلي بهدوء موجع: ما سرّ هذه الحياة التي تتبدل وجوهها باستمرار؟ لماذا نمضي بين الفرح والحزن كما لو أننا نعبر فصولاً متعاقبة لا سلطة لنا عليها؟ إشراق يعقبه غروب، وضحكة تخبئ وراءها دمعة، واخضرار لا يلبث أن يلامس الذبول. كأن الحياة لا تُبنى إلا من هذه الثنائيات التي تمنحها معناها الإنساني العميق.
أحاول أن أقبض على إجابة واحدة، على يقين يهدئ هذا الاضطراب الداخلي، لكن الكلمات تتبعثر في أعماقي كما تتبعثر أوراق الخريف فوق الطرقات البعيدة. وأسأل نفسي: هل نعيش حقاً ما نمرّ به؟ أم أن الأيام تعبرنا سريعاً كما يعبر الماء بين الأصابع؟ نحن نحسب الزمن بالدقائق والساعات، لكن الزمن في حقيقته ليس عقارب تتحرك، بل أرواح صغيرة تسكننا ثم تمضي، تأخذ معها شيئاً من ذاكرتنا، ومن أحلامنا، ومن ملامحنا التي تتغير بصمت.
الأمس، واليوم، والغد… ليسوا سوى إخوة يعيشون في بيت الزمن الكبير. تختلف وجوههم، لكنهم يتشابهون في قدرتهم على أخذ الإنسان من نفسه وإعادته إليها. فالغد الذي ننتظره بشغف يتحول سريعاً إلى حاضر نعيشه، ثم لا يلبث أن يصبح ذكرى معلّقة في ذاكرة الأمس. وهكذا نظل ندور في فلك الوقت، نركض خلف المعنى، بينما العمر يمضي بهدوء لا نشعر به إلا حين نلتفت إلى الوراء.
وفي خضم هذه الحيرة، أدركت أن الإنسان، مهما بدا قوياً، يحمل في داخله هشاشة خفيّة. إنه كائن يخاف الفقد، ويبحث عن الطمأنينة في عالم سريع التغير. لذلك يتعلق بالتفاصيل الصغيرة: بصوت عصفور، أو دفء شمس، أو كلمة صادقة، لأنها تمنحه شعوراً مؤقتاً بأن الحياة ما زالت بخير.
وحين أعدت النظر إلى ما حولي، اكتشفت أن شيئاً لم يتغير في هذا الكون. العصافير ما زالت تغرد، والأشجار ما زالت ترقص مع النسيم، والشمس تواصل رحلتها اليومية دون تعب أو تردد. كل شيء يسير وفق نظام بالغ الدقة، كأن الكون بأسره يتنفس بإيقاع واحد لا يختل.
عندها فقط شعرت بأن الطمأنينة تتسلل إلى قلبي بهدوء. أدركت أن الإنسان ليس سوى عابر في هذا العالم، تحمله الحياة من محطة إلى أخرى، يفرح قليلاً ويحزن كثيراً، ثم يمضي تاركاً خلفه أثراً يشبهه. لكن ما يخفف وطأة الرحلة أن لا شيء يضيع حقاً. كل كلمة صادقة، كل دمعة، كل لمسة حب، وكل لحظة خير، تبقى محفوظة في ذاكرة الحياة.
ولعلّ هذا وحده يكفي كي نعيش بصدق أكبر، وأن نترك في الطريق أثراً طيباً يشبه الضوء الذي يولد مع كل صباح جديد.



