الأعمدة

وهم المثقف الزائف

عبد الكريم البليخ
إنَّ مواجهةَ مدَّعي الثقافة والأدب ليست أمراً هيّناً، ولا معركةً عابرة يمكن أن تُحسم بكلمة أو موقف، بل هي مسؤولية أخلاقية وثقافية تقع على عاتق المجتمع بأسره؛ ذلك أن الثقافة، في جوهرها، ليست زينةً لغوية ولا مظهراً اجتماعياً، بل وعيٌ ومسؤولية، وصدقٌ مع الذات قبل أن يكون حضوراً أمام الآخرين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين المثقف الحقيقي، الذي يحمل الكلمة بوصفها رسالةً تنير العقول وتزرع القيم الإيجابية، وبين من يتخذ من الثقافة قناعاً يختبئ خلفه ليبث الحقد والضغينة، ويصادر جهود الآخرين، ويجعل من الادعاء سلّماً زائفاً للصعود. فالمثقف الأصيل لا يعلو على الناس، ولا يتغذى على التشويه، بل يقترب من الوجع الإنساني، ويمنح الكلمة معناها النبيل في الدفاع عن الجمال والحق والكرامة.
ولا يقلّ خطراً عن هؤلاء من يدّعون الصحافة، فنراهم يدبّجون المقالات، ويملأون الصفحات، وهم في حقيقة الأمر طارئون على المهنة، لا يملكون من أدواتها إلا ظاهر الحروف، ولا من رسالتها إلا الوهم. يخيَّل إليهم أن سهولة النشر، وما أتاحته الوسائل الحديثة من منابر مفتوحة، كفيلة بأن تمنحهم مقاماً لم يبلغوه بالموهبة ولا بالمعرفة ولا بالتجربة. فيضحكون على أنفسهم قبل أن يضحكوا على الناس، حتى إذا طال بهم الوهم صدّقوا أنهم امتدادٌ لسلالةٍ رفيعة من كبار الكتّاب والصحافيين العرب؛ من محمد حسين هيكل، وأحمد زكي، أحمد بهاء الدين، علوي طه الصافي، محمد رجاء النقاش، محمد غانم الرميحي، سليمان العسكري، سمير عطا الله، طلال سلمان، جهاد الخازن، وغيرهم كثير من الأسماء التي صنعت مجد الكلمة بوعيها ونزاهتها ومسؤوليتها.
إنَّ المجتمعات التي تسعى إلى النهوض لا مكان فيها للزيف الثقافي ولا للادعاء الصحافي. وما أحوجنا اليوم إلى كشف هذه الأقنعة، لا بدافع الخصومة، بل دفاعاً عن قيمة الكلمة، وحمايةً للذائقة العامة، وتعزيزاً لقيم الإبداع والإخلاص في عالم الأدب والثقافة والصحافة.

زر الذهاب إلى الأعلى