خطوة حقوقية لمحاسبة مرتكبي الجرائم “إعلان بانجول” يدين طرفي النزاع في السودان ويضع خارطة طريق للمساءلة الدولية

أصدرت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق وبعثة تقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وثيقة حقوقية شاملة عُرفت باسم “إعلان بانجول المشترك”.
الإعلان الذي اعتُمد في ختام الدورة العادية السابعة والثمانين للجنة الأفريقية المنعقدة في جمهورية غامبيا، رفع سقف المطالب الدولية بضرورة وقف الانتهاكات الجسيمة ومحاسبة المتورطين من كافة الأطراف دون استثناء.
وفي بيان اطلعت عليه “صحيح السودان”، صاغت البعثتان موقفاً موحداً يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
وأدان البيان “كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، محملاً إياهما المسؤولية الكاملة عن المعاناة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الشعب السوداني”.
وذكر البيان أن النزاع المسلح أدى إلى خلق واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، محذراً من أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الداخل السوداني، بل السلم والاستقرار الإقليميين في القارة الأفريقية.
إدانة الطرفين والمسؤولية الجنائية
وأشار البيان المشترك إلى أن التحقيقات التي أجرتها البعثتان خلصت إلى أن الطرفين، مع حلفائهما، ارتكبوا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ولم يكتفِ الإعلان بالإدانة العامة، بل ذكر أن الانتهاكات التي مارستها قوات الدعم السريع كانت “واسعة النطاق ومنهجية بصورة خاصة”، لا سيما في سياق التطهير العرقي والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وفي الوقت ذاته، لم يستثنِ البيان القوات المسلحة السودانية من ارتكاب تجاوزات وهجمات عشوائية أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير البنية التحتية.
وفي هذا السياق، قال رئيس بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، محمد شاندي عثمان، إن حجم الفظائع الموثقة يستوجب تحركاً فورياً يتجاوز مجرد الإدانة اللفظية.
وأكد عثمان في ثنايا الإعلان أن “المسار القائم على الحماية والعدالة والحكم المدني الشامل هو الوحيد الكفيل بترسيخ أسس سلام دائم”.
مشدداً على أن القوة العسكرية لن تضمن مستقبلاً آمناً للسودان، بل ستزيد من عمق الجراح الوطنية.
تفاصيل الانتهاكات والواقع الميداني
وأشار الإعلان ببالغ القلق إلى الأوضاع المأساوية في دارفور، وتحديداً في مدينة الفاشر، بالإضافة إلى إقليمي كردفان.
وذكر أن المدنيين في هذه المناطق يواجهون أخطاراً متزايدة بارتكاب “جرائم فظائع”، وظروف حصار خانقة، وحرماناً ممنهجاً من المساعدات الإنسانية.
كما توقف البيان عند أنماط مستمرة من القتل، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، والنهب والابتزاز، وهي ممارسات أصبحت سمة بارزة لهذا النزاع.
وقال الإعلان إن الهجمات التي تستهدف العاملين في المجال الإنساني، والمرافق الطبية، والأسواق، والمدارس، وأماكن العبادة، تعكس استهتاراً كاملاً بحياة المدنيين وبالتزامات الأطراف بموجب المعاهدات الدولية.
وأشار إلى أن هذه الهجمات لا تؤدي فقط إلى القتل المباشر، بل تفاقم من معاناة السكان عبر تدمير سبل البقاء الأساسية، ما أدى إلى انتشار المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد.
آليات المساءلة والعدالة الدولية
وفي بند جوهري يتعلق بإنهاء حالة الإفلات من العقاب، أشار البيان إلى ضرورة إخضاع كافة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لتحقيقات مستقلة وفعالة. وذكر الإعلان صراحة أنه “يجب على جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة أن تدعم بصورة كاملة جهود المحكمة الجنائية الدولية في السودان وأن تتعاون معها”.
كما أشار البيان إلى مقترح استراتيجي ينص على أنه “ينبغي إنشاء آلية للمساءلة يمكن أن تكون بقيادة أفريقية، تتولى ملاحقة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في السودان، مع ضمان التكامل مع مؤسسات العدالة الجنائية الدولية”.
وذكر البيان أن هذه الخطوة تهدف إلى إغلاق كافة الثغرات القانونية أمام الجناة، بما في ذلك الجهات أو الدول التي تساعد أو تحرض على ارتكاب هذه الانتهاكات.
رسالة للمجتمع الدولي والمستقبل المدني
وفيما يتعلق بالدور الخارجي، ذكر الإعلان أن على الدول الأخرى الامتناع عن أي أفعال تؤدي إلى تأجيج النزاع، مثل نقل الأسلحة والمعدات أو تقديم الدعم المالي واللوجستي للأطراف المشتبه في ارتكابها انتهاكات.
وأكد أن الحل المستدام للسودان يتطلب عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون، وتضمن مشاركة فاعلة للمرأة والشباب والمجتمع المدني.
لا حل عسكرياً للأزمة
أكد الإعلان أن التوصل إلى حل دائم للأزمة السودانية لا يمكن أن يتم عبر الوسائل العسكرية وحدها، مشدداً على ضرورة إطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية.
وأوضح البيان أن هذا المسار السياسي يجب أن يضمن مشاركة فاعلة وممثلة للنساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، بما يعكس التنوع الاجتماعي والسياسي في السودان.
واختتمت بعثتا تقصي الحقائق في “إعلان بانجول” بالتأكيد على استمرار ولايتهما في توثيق الانتهاكات المرصودة، وتوفير الدعم اللازم لتعزيز آليات حماية المدنيين ورفد جهود المساءلة القانونية.
وخلصت البعثتان إلى أن استقرار الدولة السودانية ومستقبلها السياسي يتوقفان على تبني نموذج للحكم المدني يرتكز على مبادئ العدالة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، بعيداً عن منطق النزاع المسلح.



