


كتب: معاوية أبوالريش
إعلامي ومستشار قانوني سوداني
في هذا الزمن الذي صار فيه الإنسان يقيس كل شيء بما يعود عليه، وبات العطاء في نظر كثيرين نوعاً من الترف لا يُقدمه إلا من فاض به المال وأبطرته النعمة، يظل الشيخ عثمان بن سعيد رعفيت استثناءً صارخاً يُحرج النظريات ويُكذّب المقولات. فهذا الرجل لم ينتظر حتى تمتلئ خزائنه ليبدأ في العطاء، ولم يجعل من الكرم مناسبةً يُزيّن بها صورته أمام الناس، بل كان السخاء في نسيجه الداخلي قبل أن يكون في سلوكه الخارجي، سجيةً توارثها عن أرض ظفار التي طالما أنجبت رجالاً يشعر من يقابلهم أن للكرم في تلك البقعة المباركة تربةً خاصة لا تنبت في غيرها.
رجل صنع نفسه ولم ينسَ من لم يستطع
لم تكن الحياة قد فرشت للشيخ عثمان طريقاً ممهداً حين أطلّ على عالم الأعمال، بل كان الطريق وعراً بالمعنى الحرفي والمجازي معاً. غير أنه آثر أن يشقّ مساره كما يشق الطريق في الجبل: بالصبر والعناد وإرادة لا تلين. أسّس شركة الرصيد وجعلها اسماً مرادفاً للإنجاز في عالم البنية التحتية، وبنى في المناطق الوعرة من غرب ظفار طرقاً وجسوراً كانت أحلام أهلها قبل أن تصبح أرضاً يمشون عليها.
والجميل في هذا الرجل أنه حين أفلح في تجارته لم يدر ظهره لمن خلّف وراءه، ولم يُقنع نفسه بأن النجاح مبرر كافٍ للانشغال بالنفس عن الآخرين. كان العطاء لديه لا يستأذن ولا ينتظر فرصة مواتية، بل يجيء كما يجيء النفس، تلقائياً وضرورياً ودون تكلّف.
الموقف الذي لا تنساه ظفار
ثمة حادثة واحدة تختصر الرجل كله وتُغني عن صفحات من الوصف: حين اجتاحت الأمطار والسيول المنطقة الغربية من ظفار وانقطعت قرية ضلكوت عن بقية العالم، كانت الشركات تتسابق على جمع ما يمكن جمعه من ردميات الأودية وبيعها ربحاً على حساب المحنة. أما الشيخ عثمان فقد آثر خياراً مختلفاً تماماً، إذ دفع بكل معداته الثقيلة إلى وادي المغسيل لفتح الطريق الذي يصل ضلكوت بأخواتها من الولايات، ولم يُبدِ جزعاً حين غرق بعض تلك المعدات في موج السيل الجارف، وحين عبرت أولى السيارات ذلك الطريق المستعاد كانت ابتسامته حاضرة وكأن شيئاً لم يكن.
هنا يتجلى الفارق بين من يرى في الأزمة فرصةً للكسب وبين من يرى فيها واجباً يستدعي البذل. فالمعدات التي أخطر غيرهم خسارتها لم يعبأ هو بها لأن في حسابه قيمةً أعلى وربحاً أعظم، هو أن يرى أهل ضلكوت يعودون إلى العالم من جديد.
مكتب في المنطقة الصناعية.. ومحطة لكل محتاج
لو تتبّعت خطى الفقراء والمحتاجين في ظفار وما جاورها من الحدود اليمنية، لوجدت أن طرقهم تنتهي جميعها عند مكتب واحد في المنطقة الصناعية بريسوت. ليس لأن هناك لافتة ترشدهم، ولا لأن أحداً أجبرهم على المجيء، بل لأن كلمة واحدة تسبق الشيخ عثمان أينما ذُكر اسمه وهي أنه لا يردُّ أحداً. وهذه الشهرة التي لا تُشترى ولا تُزوَّر هي أكثر ألقاباً تشريفاً له من كل ما قد تمنحه الدنيا من ألقاب وأوسمة.
أما دوره وعقاراته التي شيّدها بجهده وماله فقد أوقفها لتكون مأوى للأيتام ومن لا معيل لهم، لا ملكاً خاصاً يُورَث ويُقسَّم، ولم يقصر بره على ظفار وحدها بل امتد إلى اليمن المجاور الذي تربطه به صلات التاريخ والجغرافيا والإنسان. وكأنه آمن بما لم يتفوّه به يوماً: أن الفقر لا جنسية له، وأن يد الكريم لا تسأل صاحبها عن بلده قبل أن تمتد إليه.
الكريم الذي لا يُحبّ الأضواء
ما يزيد هذا الرجل عظمةً في عيون من يعرفونه أن عطاءه الواسع لم يقابله حرص على الشهرة أو سعي للظهور. فهو بعيد عن الأضواء بقدر ما هو قريب من الناس، يُسرع إلى الحاجة حين يعرف بها ولا يتأخر حتى تُعلن، ويجود بما يجود دون أن يجعل من فعلته مناسبةً للتصوير أو التوثيق. وهذا البُعد الأخلاقي هو لعمري أثمن ما في الرجل، لأن الكرم المصحوب بالتواضع هو وحده الذي يليق بأن يُسمّى كرماً على الإطلاق، أما الكرم الذي يتحول إلى عرض مسرحي فهو ضرب من التجارة لا البر.
شهد على ذلك كل من اقترب منه أو عمل إلى جانبه أو احتاج إليه، وما فتئت الألسن تتناقل مواقفه في مجالس ظفار كما تتناقل قصص الكرماء في الزمن القديم، لا فرقاً إلا أن الشيخ عثمان حي بيننا يكتب سيرته بيده كل يوم.
قد يبني بعض الناس أسماءهم بالمال، ويرسّخ آخرون حضورهم بالجاه والنفوذ، لكن الشيخ عثمان بن سعيد رعفيت اختار طريقاً ثالثاً لا يسلكه إلا من صفت نفسه وزكت سريرته: أن يبني اسمه في ضمائر الناس، ويحفر ذكره في قلوب من رفعهم حين أثقلتهم الحاجة. وما أقسى على الزمن أن يمحو ذكراً نقش بهذه المداد.
نسأل الله أن يمتع الشيخ عثمان بالصحة والعافية، وأن يبارك له في عمره وماله وأثره، وأن يجعل ما أسلف من خير في ميزان حسناته يوم لا تنفع إلا النية الصادقة والأثر الطيب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾



