عصب الشارع – صفاء الفحل
الكافرون بالحقيقة
ما يحدث ليس غريباً؛ فمن الطبيعي أن يتحول المسؤول في حكومة انقلابية عسكرية دكتاتورية إلى (دكتاتور) طالما أنه يتحرك وهو محمي من بطش المواطنين برهط من العسكر، ومحمي من المحاسبة بامتلاك سلطة تعلو على القوانين والقضاء، ويمكنه أن يتحدث كما يحلو له ويعاقب من يريد أن يعاقب وبالطريقة التي يريد؛ فالحكومة العسكرية الانقلابية تعيد الوطن إلى (قانون الغاب) بلا محاسبة.
العقبة الوحيدة أمام الحكومات العسكرية الدكتاتورية هو الإعلام؛ حيث يصعب عليهم السيطرة على (الكلمة)، وتصبح تلك العيون خارج سيطرتهم، ويصبح من الطبيعي أن يكون الصحفيون عدوهم (الأول)، خاصة الأقلام الحرة التي يصعب عليهم شراؤها أو السيطرة عليها بالتهديد والوعيد؛ فلا يكون أمامهم إلا استخدام قوانينهم المصنوعة (خصيصاً) لحماية عرشهم الدكتاتوري لإرهابهم، أو محاولة صناعة إعلام من ورق بلا حجة أو منطق يحاول مجاراتهم رغم أنهم يعلمون بأنه لا يمكنهم ذلك لعدم وجود قاعدة صادقة يبني عليها حجته.
جُسِّد ذلك كـ(مثال) التصريح الانفعالي الصادق لوالي نهر النيل محمد عبد الماجد أبو قرون وهو يصرخ: (كفرت بالإعلام)، وهي مقولة (يختزنها) كافة المسؤولين بدولة (برتوكوز) ولكنهم عاجزون عن الإفصاح بها؛ فجميعهم يسرقون وينهبون ولا يريدون في ذات الوقت ألا يكون لهم رقيب على ذلك، بل يريدون (إعلاماً) أعمى يجمل حتى تلك السرقات ويمدح الدكتاتورية ويمجد الشخوص ولو كانوا لصوصاً.
نعم، ليس كل الإعلام نظيفاً وصادقاً، ولكن ورغم كل شيء فحتى (القلة) القليلة الصادقة منهم -والكلمة كأمانة للوطن والتاريخ- تظل (شوكة حوت) في حلق ذلك النظام، وستظل تحمل تلك الأمانة بلا غرض سوى صناعة تاريخ جديد للوطن وفضح كل ما تخفيه كواليس الدكتاتورية، ولا يهمها أن كفر بها النظام أو ضاق ذرعاً بها؛ فبعد أن انهار كل شيء لم يتبقَّ في هذا الوطن غير تلك القلة التي ما زالت تقبض على جمر الحقيقة في زمن الغفلة، وستموت وهي قابضة على تلك الجمرة، فهم من يكتبون التاريخ الحقيقي في زمن الزيف..
ولن تتوقف ثورة الوعي.
وسيذهب كافة الدكتاتوريين يوماً ويبقى التاريخ والكلمة.
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.



