حربٌ صار فيها الوطن بضاعة مزجاة في سوق نخاسة التنظيم ، والمجدُ بياناً عسكرياً، والحقيقةُ جثةً مجهولة الهوية على قارعة الطريق.
عثمان فضل الله
نحنُ التائهون…
قومٌ لا برَّ يلوح لنا في آخر الموج، ولا حقيقةَ تقف بثباتٍ كي نستند إليها.
أخذونا إلى الحرب كما يُساقُ النائمُ إلى حلبةِ مصارعةٍ وهو يظنّها عرساً. قلنا لهم بهدوء العارف بالخسارة هذه النار لن تُنبت وطناً.. فقالوا، وهم يلوّحون بحناجرهم أكثر من عقولهم
أنتم “الخائفون”، “الخائنون”، ‘السكرجية”، وأبناء الهزيمة المبكرة.
لم نشتمهم لم نبادلهم الاساءة بمثلها..
لأن المشهد أكبر من الشتيمة وأصغر من البطولة..
كنّا فقط نبتسم… تلك الابتسامة التي يطلقها رجلٌ يرى الحائط مقبلاً نحو رأسه بينما الآخرون يتجادلون حول لون الطلاء أبيض هو أم رمادي..
قلتُ يوماً إنّ الربيع، وبقال وود أبوك، والانصرافي، وحياة عبد الملك، وأسامة توفيق وغيرهم من دعاة الدم … ليسوا إلا أصابعَ لقفازٍ واحد، ومزاميرَ تعزف للريح ذاتها ذات اللحن الملعون ..
غرفةٌ واحدة كانت تدير كل هذا الصخب؛ غرفةٌ تؤمن أن الحرب مثل شجرة الزقوم:كلما سُقيت بالدم أثمرت نفوذاً ومجدًا زائفاً وشاشاتٍ أكثر كذبا وصخبا..
كانوا يتبادلون السباب كما يتبادل أطفالُ المدارس أوراقَ “الكوتشينة” خلف الفصل.
وأنا أنظر إليهم كما انظر لمسرحيةٍ مدرسيةٍ رديئة؛ الممثلون يصرخون بحماس، والجمهور يصفّق، بينما الديكور كله مصنوعٌ من الكرتون وقابلٌ للاحتراق عند أول شرارة.
كنت أرى هذا اليوم قادماً رأي العين..
اليوم الذي يهبط فيه “بقال” من الدرجة الأولى لطيران بدر في مطار الخرطوم، بعد أن كان يجوب شوارعها على “تاتشر” يطارد الناس بخطابات الكراهية والبطولات الورقية.
سيهبط مرتدياً نظارةً سوداء، كأن الحرب فيلم أكشن أمريكي، بينما المدينة التي بشّرها إخوانه في الطرف الآخر بالنصر تبحث فقط عن رغيفٍ لا يحمل رائحة البارود.. وعن ماء لا يخالطه الإحساس بالغبن والضعف وقلة الحيلة.
يا لهذه الحرب العبثية…
حربٌ تبدأ بخطبةٍ حماسية وتنتهي بطابور خبز.
حربٌ يتحدث فيها الجميع عن الكرامة، ثم يهرب الجميع من الكهرباء والماء والدواء.
حربٌ صار فيها الوطن بضاعة مزجاة في سوق نخاسة التنظيم ، والمجدُ بياناً عسكرياً، والحقيقةُ جثةً مجهولة الهوية على قارعة الطريق.
أما نحن، التائهين، فلم نكن حكماء أكثر من اللازم…
كل ما في الأمر أننا لم نرَ في المدفع شجرةَ مانجو، ولا في الرصاصة نشيداً وطنياً.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



