تقارير

الحركة الإسلامية السودانية وتشكيلاتها المسلحة: كيف اندمجت عضويًا مع الاستخبارات العسكرية؟

مما لا شك فيه أن الحركة الإسلامية السودانية ليست حزبًا سياسيًا خسر السلطة وانسحب من المشهد بعد سقوط البشير عام 2019 كما يريد البعض تصويرها، لكنها عبارة عن شبكة “دولة عميقة” أعادت تفعيل نفسها بالكامل، ليس مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل قبل ذلك بعامين على الأقل، منذ لحظة انقلاب أكتوبر 2021 نفسها، حين تم تكليف، بل وإعادة تكليف، ضباط ينتمون عقائديًا لهذه الشبكة بتولي مسؤولية مواقع مفصلية في هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة. فالحرب لم تُنشئ هذه العلاقة، بل كشفتها للعلن.
الجناح السياسي يوجّه، والجهاز الأمني يجنّد وينسّق، وتشكيلات مسلحة تقاتل ميدانيًا، وضباط داخل مؤسسة الدولة الأمنية يوفّرون الغطاء والسلاح والتنسيق التشغيلي. والحلقة الأقوى توثيقًا في هذه الشبكة هي اندماج مقاتلي هذه التشكيلات فعليًا داخل خلايا أمنية رسمية تديرها الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة، وهو ما يحوّل العلاقة من “تحالف ميداني” إلى اندماج عضوي كامل في جهاز الدولة الأمني ذاته. وتعد كتيبة البراء بن مالك، إحدى أبرز تلك التشكيلات القتالية التي شاركت في حرب أبريل.
ما حجم كتيبة البراء؟
من الجدير بالذكر، ولعلها النقطة الأهم في فهم طبيعة الكتيبة بأكملها، أن البراء بن مالك لا تعمل من مناطق سيطرة مستقلة كما تفعل الميليشيات التقليدية، بل من داخل المنشآت العسكرية الرسمية للجيش نفسه، ولها تمثيل فعلي داخل سلاح المدرعات ووحدات المشاة ووجود قوي داخل الاحتياطي المركزي. هذه الحقيقة وحدها تثبت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الارتباط بين الكتيبة والجيش ليس تحالفًا خارجيًا، بل هو اندماج عضوي كامل، وأن عناصر الحركة الإسلامية هي جزء فعلي من نسيجها الداخلي.
تتفاوت التقديرات الخاصة بحجم الكتيبة وقدراتها، فقد قالت وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 إنها تضم 20 ألف مقاتل، وهو الرقم نفسه الذي تورده مصادر سودانية، توزعهم على نحو عشر كتائب رئيسية وفرعية، أبرزها البراء والبنيان المرصوص ومجموعات الأمن الشعبي، في حين يذهب تقرير Henry Jackson Society (جمعية هنري جاكسون) الذي صدر في يونيو 2026 إلى رقم أوسع يصل إلى 35 ألف مقاتل ضمن لواء كامل، بينما يقدّر المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية نطاقًا أشمل يصل إلى 45 ألفًا لكل التشكيلات الإسلامية مجتمعة.
وتذهب وثيقة منسوبة للحركة نفسها إلى أرقام أضخم بكثير، إذ تتحدث عن 2,275 معسكر تدريب و653,106 متدربين و73,912 مشاركًا فعليًا في القتال ومقتل 505 من عناصرها، وهي أرقام ينبغي التعامل معها كرواية ذاتية للحركة، لا كتعداد مستقل موثّق. أما من ناحية التسليح، فتشمل ترسانة الكتيبة طائرات مسيّرة ومدفعية وأسلحة خفيفة، إلى جانب تدريب مباشر تلقاه مقاتلوها من الحرس الثوري الإيراني على تشغيل أنظمة متقدمة، منها طائرة “مهاجر-6” وقوارب بحرية متفجرة.
انتهاكات موثقة للكتيبة
وقد وثّقت مصادر متعددة سلسلة من الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى الكتيبة. فوفق وزارة الخارجية الأمريكية، نفّذ مقاتلوها إعدامات جماعية للمدنيين على أساس العرق أو الانتماء المفترض لجماعات المعارضة. وفي مجزرة الحلفايا بديسمبر 2024، نُفذت عشرات عمليات الإعدام الموجز لشباب في حي الحلفايا شمال بحري بعد استعادته من الدعم السريع، بمشاركة الجيش والبراء معًا.
وفي ولاية الجزيرة، وثّق تحقيق استقصائي لموقع لايتهاوس، وهي منصة تحقيقات صحفية، في أواخر 2025 قتل عشرات الرجال العزّل بأساليب شملت قطع الرؤوس وبقر البطون، بمشاركة البراء وقوات درع السودان معًا. وفي سنجة، اعتُقل محامٍ كان قد أسّس وحدة طبية مجانية بعد سقوط المدينة بيد الجيش، وزُعم تعذيبه على يد البراء، قبل أن تحكم عليه محكمة سنار الجنائية بالإعدام في 5 أكتوبر 2025 دون إخطار الدفاع، وفق ما وثقته بعثة تقصي الحقائق الأممية. وفي عطبرة في أبريل 2024، استُهدف تجمع إفطار للكتيبة بضربة أسفرت عن 15 قتيلًا وأكثر من 50 جريحًا من قياداتها الميدانية، دون أن يعلن أي طرف مسؤوليته عن الحادثة.
كتائب أخرى
إلى جانب البراء، برزت تشكيلات موازية أقل ظهورًا إعلاميًا، مثل كتيبة العمليات الخاصة، التي نشأت من بقايا الأمن الشعبي وأمن الطلاب، ويقودها شهاب برج، وهو مقاتل “مجاهدين” سابق كان أسيرًا لدى الحركة الشعبية-شمال في جبال النوبة بين عامي 2013 و2017 قبل إطلاق سراحه في تبادل إنساني، ثم أصبح قائدًا للكتيبة بعد استعادة جبل موية، ونائبه فرحات العمدة، إلى جانب أحمد محمد أبو بكر، وأنس محمد فضل، والذين قُتلوا جميعًا في معارك أم سيالة بكردفان أواخر يوليو 2025، ويوسف محمد زين، أحد مؤسسي الكتيبة الذي وقع أسيرًا لدى الدعم السريع منذ أكتوبر 2024 عقب معارك جبل موية، كما قُتل اللواء الركن إيهاب محمد يوسف الطيب (الدفعة 40)، من لواءي النخبة المرتبطين بهذه الدائرة، في معارك الخوي غرب كردفان في مايو 2025.
وتضم هذه الدائرة أيضًا كتائب البنيان المرصوص والبرق الخاطف وأسود العرين، وهي امتداد لبقايا الدفاع الشعبي و”المجاهدين” السابقين، ويُنسب الإشراف عليها إلى الناجي عبدالله بتوجيه سياسي أعلى منسوب لعلي كرتي نفسه. وتبقى قوات الدفاع الشعبي، بوصفها الإرث التاريخي الأصلي لعسكرة المشروع الإسلامي، غير قائمة اليوم بصيغتها القديمة، لكن شبكاتها البشرية وخبراتها المتراكمة هي المادة الخام التي أُعيد تدويرها في كل التشكيلات المذكورة آنفًا.
في الحلقة القادمة سنطلع على حلقات الاتصال والدوائر العقدية المغلقة التي تربط تلك الكتائب والاستخبارت.

زر الذهاب إلى الأعلى