لماذا تستمرُّ مأساةُ السودانِ جيلاً بعد جيل؟! ولماذا تتجدّدُ الحروبُ والانقساماتُ مهما تغيّرتِ الحكوماتُ والوجوهُ؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
📜✍️السودانُ لا يعيشُ أزمةً عابرةً بسببِ حربٍ مؤقتةٍ أو انقلابٍ طارئٍ فقط…
بل يعيشُ مأساةً تاريخيةً عميقةً ومتجذّرةً في طريقةِ التفكيرِ والثقافةِ وإدارةِ الدولةِ والمجتمعِ منذ عقودٍ طويلةٍ!!
ولهذا السببِ…
كلما توقفتْ حربٌ بدأتْ أخرى
وكلما سقطَ طاغيةٌ ظهرَ طاغيةٌ جديد
وكلما ظنَّ الناسُ أنَّ البلادَ اقتربتْ من النجاةِ… عادتْ إلى الدائرةِ الجهنميةِ نفسِها من جديدٍ!!
🛑 المشكلةُ ليستْ في الأشخاصِ فقط
كثيرونَ يختزلونَ الكارثةَ السودانيةَ في فردٍ أو حزبٍ أو انقلابٍ أو جماعةٍ بعينِها…
لكنَّ الحقيقةَ أكبرُ وأخطرُ من ذلكَ بكثيرٍ!!
نعم…
العسكرُ يتحملونَ مسؤوليةً ضخمةً
والحركةُ الإسلاميةُ والمؤتمرُ الوطنيُّ يتحملونَ مسؤوليةً تاريخيةً كبرى
وقادةُ المليشياتِ وأمراءُ الحربِ ارتكبوا فظائعَ وكوارثَ لا تُحصى
لكنْ لو رحلَ هؤلاءِ جميعاً اليومَ…
دونَ تغييرِ العقليةِ والثقافةِ والبنيةِ التي أنتجتهم…
فسوفَ يعيدُ السودانُ إنتاجَ الكارثةِ نفسِها بأسماءٍ ووجوهٍ جديدةٍ!!
🛑 ثقافةُ الهروبِ من المسؤولية
كلُّ جهةٍ تُلقي اللومَ على غيرِها
وكلُّ جماعةٍ تدّعي أنَّها بريئةٌ وأنَّ الآخرينَ هم سببُ الخرابِ!!
العسكرُ يتحدثونَ عن السياسيين
والسياسيونَ يهاجمونَ العسكر
والإسلاميونَ يتحدثونَ عن المؤامراتِ الدوليةِ
واليساريونَ يهاجمونَ الإسلاميين
والقبائلُ تتبادلُ الاتهامات
والجميعُ يهربُ من مواجهةِ الحقيقةِ الكبرى:
🛑 نحنُ جميعاً ساهمنا بدرجاتٍ مختلفةٍ في صناعةِ هذهِ المأساةِ واستمرارِها!!
🛑 شماعةُ المؤامرةِ الخارجية
نعم…
الدولُ الكبرى تتحركُ وفقَ مصالحِها
وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في عالمِ السياسةِ الحديثةِ!!
لكنْ لماذا يصبحُ السودانُ دائماً ساحةً مفتوحةً للتدخلاتِ؟!
لأنَّ الداخلَ منهارٌ أصلاً
ولأنَّ الفسادَ والاستبدادَ والحروبَ والانقساماتِ جعلتِ البلادَ ضعيفةً ومخترقةً!!
فالدولُ القويةُ المستقرةُ لا يستطيعُ أحدٌ العبثَ بها بسهولةٍ
أما الدولُ المنهارةُ… فتتحولُ تلقائياً إلى ملعبٍ للمصالحِ الدوليةِ والإقليميةِ!!
ولذلكَ فإنَّ الهروبَ المستمرَّ إلى خطابِ “المؤامرةِ” دونَ مراجعةِ الذاتِ… ليس حلاً بل استمرارٌ للكارثةِ نفسها!!
🛑 أخطرُ ما دمّر السودان… توظيفُ الدينِ في الصراعِ السياسيِّ
السودانُ شعبٌ مسلمٌ في غالبيتِهِ
ومع ذلكَ تصرُّ بعضُ الجماعاتِ والأحزابِ على احتكارِ الإسلامِ وكأنَّها الوكيلُ الحصريُّ للهِ في الأرضِ!!
كلُّ جماعةٍ تزعمُ أنَّها وحدها تمثلُ الدينَ الصحيحَ
وكلُّ تيارٍ يصوّرُ مخالفيهِ وكأنهم ضدُّ الإسلامِ أو أعداءُ الشريعةِ!!
بينما الإسلامُ نفسُهُ لم يفرضْ نموذجاً سياسياً جامداً مغلقاً
ولم يجعلِ الحكمَ طقساً تعبدياً ثابتاً لا يجوزُ الاجتهادُ فيه!!
الإسلامُ وضعَ قيماً كبرى: العدل
الرحمة
الشورى
حفظُ الحقوق
منعُ الظلم
صيانةُ الدماءِ والأموالِ والأعراضِ
ثم تركَ للبشرِ مساحةَ الاجتهادِ وفقَ تطورِ الزمانِ والمكانِ ومصالحِ الناسِ!!
ولذلكَ فإنَّ الديمقراطيةَ والحكمَ المدنيَّ والتداولَ السلميَّ للسلطةِ لا يتعارضُ في شيءٍ مع روحِ الإسلامِ ومقاصدِهِ الكبرى!!
فهذهِ أمورٌ من سياسةِ الناسِ وتنظيمِ حياتِهم… لا من الشعائرِ التعبديةِ!!
🛑 لماذا هذا الصراعُ بين الصوفيةِ والسلفيةِ وغيرِهما؟!
لأنَّ كثيراً من الصراعاتِ في السودانِ ليستْ صراعاتِ دينٍ حقيقيةً…
بل صراعاتُ نفوذٍ وهيمنةٍ وسيطرةٍ على المجتمعِ والعقولِ والمشاعرِ!!
هذا يُكفّرُ ذاك
وذاك يُبدّعُ هذا
وآخرونَ يحتكرونَ الحقيقةَ وكأنهم يملكونَ مفاتيحَ الجنةِ وحدهم!!
بينما البلادُ تنهارُ والناسُ يموتونَ جوعاً وقهراً وتشرداً!!
قال الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
سورة البقرة — الآية 256
وقال تعالى:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
سورة الكافرون — الآية 6
فكيف تحوّلَ بعضُ البشرِ بعدَ ذلكَ إلى أوصياءِ على ضمائرِ الناسِ وخياراتِهم السياسيةِ والفكريةِ؟!
🛑 المشكلةُ الحقيقيةُ في العقليةِ والثقافةِ
ولو انقسمَ السودانُ إلى عشرِ دولٍ مستقلةٍ…
فسوفَ تحملُ هذهِ الشعوبُ معها فيروسَ البؤسِ والتناحرِ والاستبدادِ نفسِهِ!!
انظروا إلى South Sudan بعدَ الانفصالِ؟!
هل انتهتِ الحروبُ والصراعاتُ؟!
هل تحققتِ العدالةُ والاستقرارُ والتنميةُ؟!
للأسفِ…
إنَّهُ ذاتُ المشهدِ تقريباً
وربما بصورةٍ أشدَّ قسوةً أحياناً!!
لأنَّ المشكلةَ ليستْ في الجغرافيا وحدها…
بل في الثقافةِ والعقليةِ والعنصريةِ والقبليةِ والرغبةِ في الهيمنةِ والقمعِ وإقصاءِ الآخرِ وعدمِ قبولِ الاختلافِ!!
حينَ يؤمنُ كلُّ طرفٍ أنَّهُ وحدهُ صاحبُ الحقِّ المطلقِ… تصبحُ الحربُ قدراً دائماً لا ينتهي!!
🛑 لماذا فشلتْ كلُّ الثوراتِ والتسويات؟!
لأنَّ السودانَ ظلَّ يغيّرُ الأشخاصَ… لا طريقةَ التفكيرِ!!
يسقطُ نظامٌ
فتبقى أدواتُ الاستبدادِ كما هي
ويأتي القادمونَ الجددُ حاملينَ العقليةَ القديمةَ نفسَها!!
ولهذا تستمرُّ الحلقةُ الجهنميةُ:
انقلاب ← حرب ← ثورة ← تسوية ← خيانة ← انقلابٌ جديد!!
🛑 ما هو طريقُ النجاةِ الحقيقيُّ؟!
الحلُّ ليس مستحيلاً…
لكنه يبدأُ أولاً بالاعترافِ بالحقيقةِ المؤلمةِ دونَ مكابرةٍ أو أوهامٍ!!
🟩 لا دولةَ مع تعددِ الجيوشِ والمليشياتِ
🟩 لا سلامَ مع الإفلاتِ من العقابِ
🟩 لا نهضةَ مع العنصريةِ والقبليةِ والكراهيةِ
🟩 لا استقرارَ مع احتكارِ الدينِ والسياسةِ
🟩 لا مستقبلَ مع استمرارِ عقليةِ الاستبدادِ والإقصاءِ
السودانُ يحتاجُ إلى عقدٍ وطنيٍّ جديدٍ يقومُ على:
🟢 دولةِ مواطنةٍ حقيقية
🟢 دستورٍ متفقٍ عليه
🟢 تداولٍ سلميٍّ للسلطة
🟢 جيشٍ قوميٍّ مهنيٍّ واحد
🟢 قضاءٍ مستقلٍّ وعدالةٍ انتقالية
🟢 تعليمٍ حديثٍ يبني الوعيَ لا القطيعَ
🟢 وتنميةٍ عادلةٍ يشعرُ بها كلُّ السودانيينَ
🛑 الخلاصةُ المؤلمة
هذهِ الحربُ الحاليةُ لن تكونَ هي الأخيرةَ…
وكلُّ الاتفاقاتِ السياسيةِ وحدها لن تنقذَ السودانَ…
🧐🫵ما لم يتغيّرِ الإنسانُ السودانيُّ نفسُهُ وطريقةُ تفكيرِهِ ونظرتهُ للآخرِ وللسلطةِ وللوطنِ!!
فالوطنُ لا يُبنى بالقبيلةِ
ولا بالطائفةِ
ولا بالسلاحِ
ولا بالشعاراتِ الدينيةِ
ولا بالكراهيةِ والانتقامِ
بل يُبنى بالعدالةِ
والوعيِ
والمواطنةِ
واحترامِ الإنسانِ وحقِّهِ في الاختلافِ والحياةِ الكريمةِ!!
وإلى أن يحدثَ ذلكَ…
فإنَّ السودانَ سيظلُّ للأسفِ الشديد يدورُ داخلَ الدائرةِ نفسها من الدماءِ والخرابِ مهما تغيّرتِ الأسماءُ والراياتُ والشعاراتُ!!



