تقارير

لماذا يتحرك الغرب الآن لخنق اقتصاد الحرب في السودان؟

الثلاثاء الماضي نشرت منصة “أفريكان إنتليجنس” تقريراً بعنوان “السفراء الغربيون يضيّقون الخناق على اقتصاد الحرب” التقرير كشف عن تحول استراتيجي واضح في طريقة تعامل الدول الغربية مع الحرب في السودان. فبعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام من البيانات الدبلوماسية ومبادرات وقف إطلاق النار التي لم تصل إلى مبتغاها، بدأت العواصم الغربية في الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على استهداف البنية الاقتصادية التي تُبقي الحرب مستمرة.
أهمية التقرير تكمن في الجهة التي نشرته فمنصة ⁠”أفريكان إنتليجنس” إلى جانب أنها وسيلة إعلام تقليدية فهي تُعرف كمنصة متخصصة في تتبع شبكات النفوذ السياسي والمالي والأمني في أفريقيا تحديدا، وتُقرأ تقاريرها باهتمام داخل الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية والشركات الكبرى.
لذا فإن تخصيصها ملفاً حول “اقتصاد الحرب” في السودان يعكس أن الاهتمام الغربي انتقل إلى محاولة فهم البنية الاقتصادية العميقة التي تدير الحرب وتمولها وتحافظ على استمرارها.
الجيش وشبكات تهريب الذهب
كما أن تكرار تناول المنصة لموضوعات مثل إعادة هيكلة الجيش وشبكات الذهب، والعلاقات الإقليمية المرتبطة بالنزاع، يشير إلى أن السودان بات يُنظر إليه غربياً باعتباره ملفاً أمنياً واقتصادياً معقداً وتجاوز كونه مجرد أزمة داخلية عابرة.
لكن الحرب في السودان لم تتحول إلى اقتصاد حرب بالصدفة كما أنها لم تبدأ فعلياً في أبريل 2023. فما يراه الغرب اليوم هو في الحقيقة نتاج ثلاثة عقود من إعادة تشكيل الدولة السودانية على يد الحركة الإسلامية المصنفة حديثاً حركة إرهابية والتي لم تكتفِ بالسيطرة على السلطة السياسية بل أعادت هندسة الاقتصاد نفسه ليصبح مرتبطاً بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وشبكات الولاء السياسي.
تتبع شبكات تمويل الحرب
بحسب ما نقلته “أفريكا إنتليجنس” فأن السفارات الغربية بدأت بالفعل في تكليف فرق متخصصة من خبراء الاقتصاد والمخابرات المالية بتتبع القطاعات التي تموّل الحرب وعلى رأسها تجارة الذهب والتحويلات غير الرسمية وشبكات التهريب وشركات النقل واللوجستيات والواجهات التجارية التي تعمل لصالح أطراف النزاع.
وتشير التقديرات إلى أن الذهب أصبح العمود الفقري الحقيقي لاقتصاد الحرب غير الرسمي. فالسيطرة على مناجم الذهب في مناطق مثل دارفور والشمال والشرق السوداني تحولت إلى مصدر نفوذ مالي هائل للأطراف المتقاتلة، بينما تُهرّب كميات كبيرة من المعدن عبر الحدود إلى دول الجوار قبل إعادة تصديرها بوثائق ومنشأ جديدين في شبكة معقدة يصعب تتبعها أو السيطرة عليها بالكامل.
لكن هذه الشبكات تعود جذورها إلى عهد المخلوع عمر البشير حين جرى إنشاء اقتصاد موازٍ خارج مؤسسات الدولة الرسمية و لم تولد فقط مع الحرب الحالية. إذ تحولت الشركات التابعة للجيش وجهاز الأمن والحركة الإسلامية مثل شركة زادنا وشركات منظومة الصناعات الدفاعية وشركة ميروي غولد (Meroe Gold) – وهي شركة روسية مرتبطة بـ “مجموعة فاغنر” عملت في السودان بموجب شراكة وثيقة مع الاستخبارات العسكرية السودانية والجيش لتسهيل عملياتها في التنقيب عن الذهب وتأمينه وتصديره – حيث تحولت كل هذه الشركات إلى إمبراطوريات مالية مغلقة تمتلك امتيازات استثنائية وإعفاءات جمركية وشبكات استيراد وتصدير لا تخضع لأي محاسبة أو أبسط قواعد الشفافية الحقيقية.
التمكين السياسي
ومع الوقت أصبح الاقتصاد السوداني نفسه قائماً على التمكين السياسي والاحتكار الأمني وأضحت الثروة تُنتج عبر القرب من السلطة العسكرية والأمنية وليس عبر التنمية أو الاستثمار الطبيعي ومن هنا نشأ اقتصاد الظل الذي يغذي الحرب اليوم.
ولهذا لا تنظر الدوائر الغربية إلى الحرب باعتبارها مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع كتفسير سطحي للواقع بل باعتبارها صراعاً داخل بنية اقتصادية – أمنية أعمق ظلت تتوسع منذ سنوات طويلة تحت حماية الدولة الأمنية التي أسستها الحركة الإسلامية الإرهابية.
الأخطر أن الحرب الحالية منحت الإسلاميين فرصة لإعادة التموضع بقوة وشراسة وشراهة داخل مؤسسات الدولة بعد سنوات من تراجع نفوذهم عقب سقوط النظام في 2019. فمع تصاعد خطاب التعبئة العسكرية عاد كثير من كوادر النظام السابق إلى المشهد السياسي والإعلامي والاقتصادي تحت غطاء “دعم المعركة الوطنية” بينما بدأت شبكات المصالح القديمة تستعيد حضورها داخل المؤسسات العسكرية والاقتصادية.
الحرب والمكاسب الاقتصادية
وتزداد المخاوف الغربية مع التقارير التي تتحدث عن إعادة هيكلة واسعة داخل الجيش يقودها قائد الانقلاب تشمل إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات العسكرية والشركات التابعة لها. فهذه التغييرات تُقرأ كإعادة ترتيب لمراكز القوة الاقتصادية داخل الدولة.
ويرى مراقبون أن الحرب تحولت تدريجياً إلى مشروع اقتصادي متكامل فإلى جانب الذهب تدر السيطرة على طرق التهريب والموانئ وتجارة الوقود والماشية والصمغ العربي ملايين الدولارات شهرياً على شبكات مرتبطة بالحرب. لهذا لم تعد بعض القوى المتنفذة ترى في إنهاء الصراع مصلحة مباشرة لأن استمرار الفوضى بات جزءاً من معادلة النفوذ والثروة.
من هنا جاء التحول الغربي الجديد فالعواصم الغربية بدأت تدرك أن العقوبات التقليدية على القادة العسكريين لم تعد كافية وأن الضغط الحقيقي يجب أن يستهدف الوسطاء الماليين وشركات الواجهة وشبكات تهريب الذهب والكيانات التي تدير اقتصاد الحرب من خلف الستار.
وتشير التوقعات إلى أن المرحلة المقبلة من الممكن أن تشهد عقوبات أكثر “جراحية” تشمل تقييد تجارة الذهب السوداني في الأسواق العالمية، وتجميد حسابات شركات ووسطاء يعملون من مراكز مالية خارج السودان إضافة إلى ملاحقة الشبكات التجارية التي توفر الوقود والإمدادات والتمويل للأطراف المتحاربة.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات معقدة فاقتصاد الحرب السوداني يعتمد أساساً على شبكات تهريب مرنة وعابرة للحدود كما أن السودان يمتلك حدوداً مفتوحة مع سبع دول ما يجعل السيطرة على حركة الذهب والسلاح والأموال مهمة شديدة التعقيد.
مخاوف من الضغط على المواطن
تخشى منظمات إنسانية أن تتحول العقوبات الاقتصادية إلى عبء إضافي على المدنيين السودانيين خاصة مع اتساع المجاعة والانهيار الصحي وارتفاع أسعار السلع الأساسية. فاستهداف شبكات الاستيراد والتحويلات المالية قد يؤدي إلى تعطيل وصول الغذاء والدواء إلى مناطق واسعة تعاني أصلاً من الانهيار.
وفي المقابل هناك مخاوف حقيقية من أن تدفع الضغوط الاقتصادية أطراف الحرب إلى مزيد من التشدد أو إلى توسيع علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية خارج المنظومة الغربية مما يحول السودان إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح.
لكن رغم هذه المخاطر يبدو أن الغرب وصل أخيراً إلى قناعة متأخرة حيث لا يمكن إنهاء الحرب في السودان دون تفكيك الاقتصاد الذي يغذيها ولا يمكن تفكيك هذا الاقتصاد دون مواجهة الإرث العميق الذي خلفته الحركة الإسلامية الإرهابية داخل مؤسسات الدولة والجيش.
فالحرب السودانية اليوم ليست مجرد مواجهة بين جنرالين، بل نتيجة مباشرة لدولة التمكين التي دمجت السلطة بالثروة، والعقيدة بالسلاح، وحولت الاقتصاد إلى أداة للسيطرة الأمنية. وربما أدرك الغرب متأخراً أن إسقاط نظام الإنقاذ سياسياً لم يكن يعني أبداً تفكيك الشبكات الاقتصادية والأمنية التي أنشأها الإسلاميين، وهي الشبكات نفسها التي ما تزال قادرة على إنتاج الحرب حتى بعد سقوط النظام ذاته.

زر الذهاب إلى الأعلى