




كتب: المستشار معاوية أبوالريش
قرأتُ ما كتبه الأستاذ عوض الجيد الكباشي تحت عنوان “تاركو… أجنحة السودان التي لم تنكسر وقت العاصفة”، فخُيِّل إليَّ أنني أقرأ نشرة دعائية أُعِدَّت في غرف العلاقات العامة للشركة، لا مقالاً صحفياً يُفترض فيه الانحياز للحقيقة والمواطن قبل أي شيء آخر.
لسنا ضد الإنصاف، ولسنا ضد الاعتراف بالجهد حين يُبذل. لكننا ضد أن تُوظَّف القصيدة لتمرير الجريمة، وضد أن يُستخدم خطاب الوطنية والصمود درعاً يُصادَر به حق المواطن في المحاسبة.
أولاً: المتحدِّث وعلاقته بالموضوع
لا يمكن قراءة هذا المقال بمعزل عمّن كتبه. فالكاتب إعلامي محسوب على منظومة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول، وهو ما يجعل تساؤل المواطن السوداني مشروعاً ومحقاً: هل ما يكتبه حريةُ رأي مستقل، أم وفاء لعلاقات وأواصر تربطه بقيادات الشركة؟ وليس سراً أن مثل هذه المقالات المديحية تظهر بالتوقيت ذاته الذي تتصاعد فيه الانتقادات الشعبية، كأنها أُعِدَّت رداً على أصوات المتضررين لا استجابةً لمقتضيات الحقيقة. إن الصحافة التي تنحاز إلى رجال الأعمال في مواجهة المواطن المقهور قد خسرت حقها في ادعاء الوفاء والإنصاف.
ثانياً: الشكاوى ليست “هفوات تشغيلية”
يصف الكاتب ما يعانيه المسافرون بأنه مجرد “هفوات تشغيلية” لا ينبغي أن تطغى على مسيرة الشركة المجيدة. وهذا توصيف يُهين عقل القارئ قبل أن يُهين المتضررين. فما يشكو منه المسافرون السودانيون ليس هفوات عابرة، بل منظومة متكاملة من الانتهاكات تشمل: الاستيلاء غير المشروع على حقائب المسافرين وما تحتويه من أموال وممتلكات، وغلاءً فاحشاً في أسعار التذاكر يتجاوز طاقة مواطن أنهكته الحرب وأفقدته كل مدخراته، وتأجيل رحلات مفاجئاً دون إخطار مسبق أو اعتذار، وإساءة في معاملة الركاب لا تليق بأدنى معايير الكرامة الإنسانية.
هذه ليست هفوات. هذا نهج ممنهج تتبعه شركة تعلم أنها تعمل في سوق شبه احتكارية، وأن المسافر السوداني المنكوب لا خيار له ولا ملجأ.
ثالثاً: سؤال النشأة والمال
تأسست تاركو عام 2009 في ذروة هيمنة المؤتمر الوطني على كل مفاصل الاقتصاد السوداني، حين كانت الدولة تُوزَّع غنائم بين المقربين تحت مسمى الخصخصة والاستثمار. والسؤال الذي لم يُطرح يوماً بصوت عالٍ: من أين جاءت رؤوس الأموال التي أسست هذه الشركة في تلك الحقبة بالذات؟ وما طبيعة العلاقات التي أتاحت لها التمدد وتوسيع أسطولها بينما كان الناقل الوطني يُدمَّر بصورة ممنهجة؟ هذه أسئلة يحق للشعب السوداني أن يطرحها ويطالب بإجابات شافية عنها.
رابعاً: سودانير.. الجريمة التي لا تسقط بالتقادم
الحديث عن “أجنحة السودان” يستوجب أن نذكر أن السودان كان يمتلك ناقلاً وطنياً عريقاً تأسس عام 1946، خدم عشرات الوجهات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، ونقل مئات الآلاف من الركاب سنوياً، وكان واجهةً سيادية ورمزاً من رموز كرامة الدولة السودانية. فأين ذهب هذا الصرح؟
تحت مسوّغات الخصخصة المزيفة، وبقرارات اتخذها نافذون في منظومة الإنقاذ، بِيعت أسهم سودانير لشركات أجنبية لا تملك خبرة تشغيلية حقيقية، وبِيع خط لندن هيثرو العريق بثمن بخس، وبِيعت عقاراتها في عواصم العالم، واستُنزفت مواردها حتى باتت اليوم شركة طيران بطائرة واحدة، تحتاج إلى إذن من جهات حكومية متعددة حتى لإقامة حفل. هذا ليس انهياراً تلقائياً، بل هو إفساد مقصود وسرقة موثقة لمؤسسة وطنية كانت فخر السودانيين.
ولا عجب أن نلاحظ أن تاركو نشأت وازدهرت في الفترة ذاتها التي أُفرغت فيها سودانير من محتواها. فمن يملأ الفراغ الذي يصنعه النهب؟ من يرث السوق التي تُفرغها يد الدولة الفاسدة؟
خامساً: الوفاء لمن؟
يختتم الكاتب مقاله بالقول إن “الوفاء مسؤولية” ونحن نوافقه على ذلك تماماً. غير أن الوفاء الحقيقي هو للمواطن السوداني الذي فقد أمواله في الحرب وعُومل كسلعة في مطارات بلاده، لا للشركة التي تحقق أرباحاً على حساب معاناته. والوفاء الحقيقي هو لسودانير التي نُهبت وأُفقرت وأُسقطت بأيدٍ سوداء من الداخل، لا لمن ملأ الفراغ الذي صنعه النهب ثم ادّعى الوطنية.
إن أجنحة السودان الحقيقية هي تلك التي بُنيت بمال الشعب وخدمته بأمانة، لا تلك التي تتاجر باسم الوطن بينما تنهش جيوب أبنائه المنكوبين.
النقد مسؤولية، نعم.
والصمت على الظلم خيانة، نعم.
ومن أعظم الخيانة أن يُلبَّس الباطل ثوبَ الوفاء، ويُصمَّت الضحايا باسم الإنصاف.



