أسواق بلا مشتريين وسلطة بلا شرعية.. “أزمة الأضاحي” تكشف عمق الانهيار الاقتصادي وتدفع بـ “سلطة الأمر الواقع” في بورتسودان نحو حافة السقوط
تتحول المناسبات الدينية في السودان، تحت وطأة حكم “سلطة بورتسودان”، من مواسم للفرح إلى سياط تلهب ظهور المواطنين المنهكين. فبالرغم من وفرة المعروض من الماشية القادمة من مناطق الإنتاج في البطانة وشرق سنار و ود طه، إلا أن الأسواق الحيوية مثل “سوق المسيد” و”سوق قندهار بأم درمان” تشهد شللاً تاماً؛ بسبب جنون الأسعار الذي صنعته السياسات الفاشلة لسلطة الأمر الواقع، مما جعل الأضحية حلماً بعيد المنال للغالبية العظمى من الأسر السودانية المنكوبة.
بورصة الأسعار: أرقام فلكية في ظل انعدام “الكاش”
رصدت المتابعة الميدانية حالة موت سريري لحركة البيع والشراء في الحظائر، نتيجة انعدام القوة الشرائية وغياب أي دور رقابي أو حماية حكومية للمستهلك، حيث سجلت الأسعار أرقاماً غير مسبوقة:
* الدرجة الأولى (خراف بلدية كبيرة): 1,200,000 إلى 1,500,000 جنيه سوداني.
* الدرجة الثانية (خراف متوسطة): 750,000 إلى 900,000 جنيه سوداني.
* الدرجة الثالثة (أوزان خفيفة 20-25 كجم): 800,000 إلى 1,000,000 جنيه سوداني.
* الحملان الصغيرة (عمر شهرين): 250,000 جنيه سوداني.
وفي دليل صارخ على انهيار النظام المصرفي والسياسة النقدية للدولة، باتت المعاملات تعتمد بنسبة 90% على التطبيقات الإلكترونية (مثل تطبيق “بنكك”) نتيجة الشُّح الحاد في السيولة النقدية (الكاش)، مما ضاعف من معاناة المواطنين والتجار على حد سواء.
الجبايات والإنفلات الأمني: الأسباب الحقيقية للأزمة
أجمع الموردون والتجار على أن الارتفاع الجنوني في الأسعار ليس ناتجاً عن ندرة السلع، بل هو نتاج مباشر لغياب الدولة وفشلها الأمني واللوجستي، وينحصر ذلك في:
1. انهيار قطاع الإنتاج: قفز جوال العلف إلى (160) ألف جنيه، وجوال الذرة “الفتريتة” إلى (150) ألف جنيه، وسط غياب تام لأي دعم حكومي للمنتجين.
2. فوضى الجبايات وإغلاق الطرق: ارتفعت تكاليف الشحن والترحيل بشكل جنوني نتيجة تعدد نقاط الجباية ونقاط التفتيش التي تفرضها الأجهزة القائمة، فضلاً عن عجز سلطة بورتسودان عن تأمين المسارات التِّجارية وحماية الشاحنات بين الولايات.
تآكل الشرعية والمؤشرات الحتمية لسقوط “سلطة بورتسودان”
“إن العجز الفاضح في إدارة الملف الاقتصادي واليومي للمواطن، يسقط أي مبرر لوجود سلطة بورتسودان، ويؤكد أنها باتت عبئاً تاريخياً يعجل بتفكك الدولة.”
— محللون ومراقبون سياسيون لـ (الخرطوم 24)
يتجاوز الركود الحالي في أسواق الأضاحي كونه أزمة موسمية، ليصبح إدانة سياسية دامغة وفضحاً لـ “سلطة بورتسودان” التي أثبتت عجزها البنيوي الكامل عن كبح جماح التضخم أو إدارة السياسة النقدية. ويرى مراقبون أن انشغال هذه المجموعة بصراعاتها الداخلية الضيقة على حقيبة وزارة المالية، جاء على حساب معيشة وحياة المواطنين الغلابة، الذين تُرِكوا وحدهم في مواجهة مباشرة مع شبح المجاعة، التضخم الجامح، والنزوح.
إن عجز هذه السلطة عن توفير السيولة، وعن حماية الطرق، وتأمين قوت الشعب، يسحب منها آخر ورقة للتحدث باسم الدولة السودانية أو ادعاء الشرعية. إن المشهد الكلي يؤكد أن سلطة بورتسودان تعيش أيامها الأخيرة إدارياً وتنفيذياً، بعد أن تحولت إلى سلطة “حبر على ورق” معزولة في مقارها، بينما يتجه الشارع السوداني، المدفوع بالقهر والمعاناة، نحو حسم خياراته للإطاحة بهذا الواقع المأزوم واسترداد حقه في الحياة والاستقرار.



