
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
يقف السودان اليوم على مفترق طرق مصيري، تتشابك فيه جراح الحرب العميقة مع آمال الشعب في غدٍ أفضل. وفي خضم هذا الواقع المؤلم، تبقى جذوة الحلم بسودان موحد آمن ومزدهر لا تنطفئ في قلوب أبنائه، بل تزداد توهجاً كلما اشتد الظلام. ومن هذا المنطلق تأتي فكرة تشكيل حكومة مدنية كفؤة ونزيهة لتقود البلاد في مرحلة ما بعد الحرب، حكومة تُجسّد إرادة الشعب وتُعبّر عن تطلعاته نحو الديمقراطية والعدالة والتنمية، لا حكومة تُفرض بقوة السلاح أو تُصنع في غرف مغلقة بعيداً عن الإرادة الشعبية.
لا يخفى على أحد أن السودان عانى طويلاً من الحكم العسكري الذي أثبت فشله الذريع في بناء دولة مستقرة ومتماسكة. فالتجارب المتعاقبة على مدى عقود متطاولة علّمتنا درساً لا ينسى، وهو أن الحل الحقيقي لأزمات السودان لا يكمن في فوهة البندقية، بل في صناديق الاقتراع وفي غرف البرلمان وفي كفاءة المؤسسات المدنية الراسخة. إن الحكومة المدنية ليست ترفاً سياسياً تتحمله الشعوب في أوقات الرخاء، بل هي ضرورة حتمية تفرضها متطلبات المرحلة القادمة التي تستوجب إعادة بناء الدولة من جذورها على أسس راسخة من الشفافية والمساءلة وسيادة القانون.
وإذا كنا نسعى إلى حكومة تستحق هذا الوصف حقاً، فلا بد أن تقوم على عدة ركائز متكاملة لا يصح الاستغناء عن واحدة منها. فالكفاءة والتخصص شرط لا تنازل عنه، إذ لا يكفي حسن النية وحده لإدارة شؤون دولة تمر بمرحلة حرجة بالغة التعقيد، فلا بد أن يكون كل وزير متمكناً في مجاله، حاملاً خبرة حقيقية ومسيرة مهنية موثوقة تُمكّنه من اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. ويُضاف إلى ذلك التوازن الجغرافي والتنوع، فالسودان دولة متعددة الأعراق والثقافات والأقاليم، ولا يمكن لحكومة أن تدّعي تمثيل الشعب السوداني إذا اقتصرت على فئة دون أخرى أو إقليم دون غيره. كما يجب أن تتسم الحكومة بالبُعد التام عن الارتباطات الحزبية الضيقة والمحاصصات السياسية الفجة، وأن يكون ولاؤها الأول والأخير للوطن وللمواطن لا لأي تنظيم أو جماعة.
“وقف الحرب وتحقيق السلام الشامل”
لا يمكن الحديث عن أي برنامج تنموي أو إصلاحي في ظل استمرار نيران الحرب، لذا فإن الأولوية القصوى للحكومة المدنية القادمة هي العمل الفوري والجاد على وقف إطلاق النار وإطلاق مفاوضات سلام حقيقية وشاملة تُشرك جميع أطراف النزاع وتستند إلى مبدأ العدالة والمساءلة. ولا يعني السلام هنا مجرد التوقف عن القتال، بل يعني معالجة الجذور العميقة للأزمة السودانية المتمثلة في التهميش التاريخي والتفاوت في التنمية والاحتكار السياسي الذي طالما أشعل فتيل الصراعات. ولا بد في هذا السياق من إطلاق مؤتمر جامع للحوار الوطني يُفضي إلى عقد اجتماعي جديد يرتضيه الجميع ويُجسّد مبدأ المواطنة المتساوية دون تمييز.
“بناء الهوية الوطنية الجامعة”
كشفت الحرب عن أزمة هوية وطنية عميقة ظلت كامنة تحت السطح طويلاً، فأطلت برأسها بصورة مؤلمة حين اشتعل فتيل الصراع. والحقيقة أن السودان بتنوعه العرقي والثقافي والجغرافي الثري كان يحتاج دائماً إلى خطاب وطني جامع يرسّخ الانتماء للوطن فوق كل انتماء قبلي أو جهوي أو إثني. ولذا فإن من أهم مهام الحكومة المدنية القادمة أن تضع برنامجاً واضحاً لبناء الهوية الوطنية الجامعة، يبدأ من المناهج الدراسية التي تُرسّخ قيم المواطنة والتعايش، ويمتد إلى الخطاب الإعلامي الذي يحتفي بالتنوع السوداني بوصفه ثروة لا عبئاً، ويصل إلى السياسات التنموية التي تُقلص الهوة بين الأقاليم وتُعزز الشعور بالمصير المشترك. فالسودان لن يقوم له قائم إذا ظل كل مكوّن ينظر إلى الآخر بعين الريبة والشك.
“الاستجابة الإنسانية الطارئة”
تُشكّل الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب عبئاً ثقيلاً يجب أن يكون في صدارة أولويات أي حكومة قادمة. فالملايين من النازحين داخلياً والفارين إلى الدول المجاورة يحتاجون إلى إغاثة عاجلة وإيواء كريم وعودة آمنة إلى ديارهم. ويستلزم ذلك إنشاء جهاز وطني متخصص لإدارة ملف النزوح وإعادة التوطين، والتنسيق الفعّال مع المنظمات الدولية والإقليمية لضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق. كما يجب إعادة تشغيل المستشفيات والمرافق الصحية المتضررة بصورة عاجلة، ومكافحة الأوبئة والأمراض التي تنتشر في ظل الأوضاع الإنسانية المتردية، وضمان توفر الغذاء والدواء للمناطق الأكثر تضرراً.
“العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية”
إن الجراح العميقة التي أحدثتها الحرب في النسيج الاجتماعي السوداني لا تُشفى بالصمت ولا بالتناسي القسري، بل تستوجب مواجهة صادقة وشجاعة مع الماضي. والعدالة الانتقالية ليست انتقاماً ولا ثأراً، بل هي مسار منظم يجمع بين محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وجبر ضرر الضحايا وإصلاح المؤسسات التي أسهمت في إنتاج الظلم. وقد أثبتت تجارب دول عديدة خرجت من أتون الحروب الأهلية أن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تتحقق بتجاهل الجرائم، بل بالاعتراف بها ومعالجتها في إطار قانوني وإنساني يُعيد للضحايا كرامتهم ويُمكّن المجتمع من المضي قُدُماً نحو المستقبل دون أن يظل أسير جروح النزاع. لذا فإن إنشاء لجنة مستقلة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يُعدّ من أهم الخطوات التأسيسية التي ينبغي للحكومة المدنية القادمة أن تُبادر إليها.
“إعادة بناء المؤسسات وإصلاح الحوكمة”
إن أخطر ما أحدثته الحرب هو انهيار مؤسسات الدولة التي تُعدّ العمود الفقري لأي مجتمع منظم. ولذا يجب أن تضع الحكومة المدنية القادمة في صدر برنامجها إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس جديدة قائمة على الشفافية والكفاءة والمساءلة. ويشمل ذلك إصلاح الجهاز القضائي وضمان استقلاليته التامة عن السلطة التنفيذية، وإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية وفق معايير الاحترافية والولاء للوطن لا للأفراد أو الأحزاب ، وبناء جهاز خدمة مدنية نزيه وكفء يخضع لمعايير الجدارة لا للمحسوبية، وإرساء قواعد الحوكمة الرشيدة في إدارة المال العام ومكافحة الفساد الذي نخر جسد الدولة السودانية على مدى عقود.
“إعادة الإعمار والنهضة الاقتصادية”
يرث الاقتصاد السوداني تركة ثقيلة من الاختلالات الهيكلية المتراكمة، تُضاف إليها خسائر فادحة أحدثتها الحرب في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. ويستوجب التعامل مع هذا الواقع اعتماد خطة اقتصادية متكاملة تستند إلى ثلاثة محاور متوازية، أولها الاستقرار المالي والنقدي عبر ضبط الإنفاق العام وكبح التضخم الجامح واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية. وثانيها إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية الرئيسية وفي مقدمتها الزراعة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني والقادرة على تحقيق الأمن الغذائي وتوليد فرص العمل. وثالثها استقطاب الاستثمار الأجنبي عبر تهيئة بيئة جاذبة تقوم على سيادة القانون وضمان حقوق المستثمرين واستقرار السياسات الاقتصادية. وفي هذا الإطار لا بد من سياسة واضحة لإدارة الموارد الطبيعية التي يزخر بها السودان من أرض وماء ومعادن وثروة حيوانية، فهذه الموارد ظلت تاريخياً مصدراً للصراع لا للازدهار، والمطلوب تحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية تعود بثمارها على كل السودانيين لا على فئة دون أخرى.
“إعادة بناء منظومة التعليم وبناء الإنسان”
إن الحرب لا تدمر المباني وحدها، بل تدمر العقول والأجيال، وهو أشد أنواع الدمار وطأةً وأبعدها أثراً. وقد عانى التعليم السوداني في ظل الصراع من انقطاع واسع وتدمير للمدارس والجامعات وهجرة حادة في أوساط الكوادر التعليمية. ولذا فإن إعادة بناء منظومة التعليم تُعدّ استثماراً استراتيجياً في المستقبل لا يحتمل التأجيل. ويشمل ذلك إعادة فتح المدارس وإعمار ما تهدم منها، ومراجعة المناهج الدراسية لتخليصها من الموروثات الأيديولوجية وتأهيلها لبناء مواطن منتج ومفكر، واستعادة الكوادر التعليمية المهاجرة وتحسين أوضاعها المادية، وتوظيف التكنولوجيا في خدمة التعليم للوصول إلى المناطق النائية.
“دور المرأة في إعادة البناء”
أثبتت المرأة السودانية في لحظات الأزمة الأشد قسوة حضوراً استثنائياً وصموداً منقطع النظير، سواء في ميادين الاحتجاج السلمي أو في غرف العمليات الجراحية أو في مخيمات النازحين أو في دهاليز الدبلوماسية الشعبية. بيد أن هذا الحضور الفاعل لم يُترجم تاريخياً إلى مشاركة حقيقية في مراكز صنع القرار، وهو خلل بنيوي لا يمكن القبول باستمراره في مرحلة ما بعد الحرب. فالحكومة المدنية القادمة مدعوة إلى أن تُجسّد في تشكيلها وفي سياساتها مبدأ المشاركة الكاملة للمرأة، لا بوصفها منحةً أو مكرمةً، بل بوصفها حقاً دستورياً وضرورة وطنية، إذ لا يمكن لنصف المجتمع أن يبني وطناً كاملاً بينما يُقصى نصفه الآخر.
“التحول الرقمي وبناء الدولة الحديثة”
لا يمكن بناء دولة القرن الحادي والعشرين بأدوات وعقليات القرن الماضي، والتحول الرقمي ليس رفاهية تقنية بل ضرورة حوكمية ملحّة. فتوظيف التكنولوجيا الرقمية في تقديم الخدمات الحكومية يُقلص الفساد ويرفع الكفاءة ويُعيد الثقة بين المواطن والدولة. كما أن بناء اقتصاد رقمي متنوع يُتيح لشباب السودان الموهوب المشاركة في الاقتصاد العالمي دون أن تكون الجغرافيا عائقاً، وهو ما يستوجب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتهيئة البيئة التشريعية المناسبة لاستقطاب الشركات التقنية وريادة الأعمال الرقمية.
“استعادة الدور الإقليمي والدولي”
كان السودان تاريخياً دولة محورية في منطقة تمتد من حوض النيل إلى القرن الأفريقي وصحراء الساحل، وقد أفقدته سنوات العزلة والحروب هذه المكانة الاستراتيجية. وتقع على عاتق الحكومة المدنية القادمة مهمة إعادة تموضع السودان في محيطه الإقليمي والدولي، عبر دبلوماسية نشطة ومتوازنة تُعيد بناء الثقة مع الشركاء وتُوظّف الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان وثرواته الطبيعية الهائلة رافعةً للتنمية لا وقوداً للصراعات، وتنتزع للسودان مكانته المستحقة في المحافل الدولية بعد سنوات من العزلة والتهميش.
“حكومة كفاءات وطنية: ضرورة لا خيار”
وختاماً، فإن نجاح هذا البرنامج الطموح مشروط في المقام الأول بطبيعة الحكومة التي ستتولى تنفيذه. ولا مجال هنا للتجريب أو المزاودة، فالمرحلة القادمة تستوجب حكومة كفاءات وطنية حقيقية بعيدة عن المحاصصة الحزبية والقبلية والجهوية التي طالما عطّلت مسيرة السودان. والكفاءة الوطنية لا تعني الخبرة التقنية وحدها، بل تعني إلى جانبها النزاهة الشخصية والانتماء الوطني الصادق والقدرة على العمل الجماعي والرؤية الاستراتيجية الواضحة. إن السودان يزخر بكفاءات استثنائية في الداخل والمهجر لم تُتَح لها الفرصة الكافية للعطاء، وقد حان الوقت لأن تأخذ هذه الكفاءات مكانها الذي تستحقه في قيادة وطن يستحق أفضل ما لديها.
إن السودان لن ينهض بالشعارات، بل سينهض بالكفاءة والإرادة والبرنامج الواضح. وما هذه الرؤية إلا دعوة صادقة لكل سوداني يؤمن بأن السودان أكبر من جراحه، وأعظم من أن يستسلم لأزمته، وأغنى بكفاءاته وطاقاته من أن يبقى رهين ماضٍ أليم.
من رماد الحرب يولد فجر الدولة، إن أردنا ذلك حقاً.



