الأعمدة

” الكَلالة في الشريعة الإسلامية”

المستشار معاوية أبوالريش
“تعريف الكلالة”
الكلالة في اللغة مأخوذة من “كَلَّ” بمعنى أحاط، وكأن الورثة أحاطوا بالميت من جميع الجهات دون أن يكون ثمة وارث مباشر في الخط العمودي. أما في الاصطلاح الفقهي فالكلالة هي من مات ولم يترك والداً ولا ولداً، أي لا أباً ولا جداً في الأعلى، ولا ابناً ولا ابن ابن في الأسفل. ويُطلق اللفظ أحياناً على الورثة أنفسهم من الإخوة والأخوات، وأحياناً على الميت نفسه. وقد اتفق جمهور الصحابة والفقهاء على هذا التعريف وهو الراجح عند عامة العلماء.
“الآيات القرآنية في الكلالة”
وردت الكلالة في موضعين في القرآن الكريم. الأولى في سورة النساء الآية الثانية عشرة، وتختص بالإخوة والأخوات من الأم:
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾
[سورة النساء: 12]
والثانية تُعرف بـ”آية الصيف” لأنها نزلت في الصيف، وتختص بالإخوة الأشقاء أو لأب:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾
[سورة النساء: 176]
“حالات ميراث الكلالة”
أولاً: الإخوة والأخوات من الأم
يستند حكم هؤلاء إلى الآية الثانية عشرة من سورة النساء، وشرط إرثهم أن يكون الميت كلالة لا أب له ولا ولد. وما يميز هذا الصنف أن الذكر والأنثى يتساويان في النصيب خلافاً للقاعدة العامة في المواريث، وذلك لأنهم جميعاً يتقربون إلى الميت عن طريق الأم وحدها فاستوت منزلتهم.
فإن كان الوارث أخاً واحداً لأم أو أختاً واحدة لأم فلكل منهما السدس فريضةً مقدرة. فإن تعدد هؤلاء وصاروا اثنين فأكثر سواء أكانوا ذكوراً أم إناثاً أم مختلطين اشتركوا جميعاً في الثلث يقتسمونه بالتساوي بينهم لا يُفضَّل فيه ذكر على أنثى.
ثانياً: الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب
يستند حكم هؤلاء إلى الآية السادسة والسبعين بعد المئة من سورة النساء، وهم صنفان: الإخوة الأشقاء من الأب والأم معاً، والإخوة لأب من الأب فقط، ويأخذ الثانيون أحكام الأولين عند غيابهم.
فإن انفردت أخت واحدة شقيقة أو لأب ولم يكن معها أخ أخذت النصف فرضاً. فإن كانت أختين فأكثر دون أخ استحققن الثلثين مشتركتين فيه. أما إن كان الوارث أخاً واحداً شقيقاً أو لأب منفرداً فإنه يرث المال كله تعصيباً، أي أنه يأخذ ما بقي بعد الفروض وقد يأخذ الكل إن لم يكن ثمة أصحاب فروض. وإن اجتمع إخوة وأخوات من هذا الصنف اقتسموا المال تعصيباً للذكر مثل حظ الأنثيين جرياً على القاعدة العامة. وإذا كانت أخت مع أخ شقيق أو لأب صارت الأخت عصبة بأخيها فأخذا المال كذلك للذكر ضعف الأنثى.
“مسألة الحجب في الكلالة”
يُحجب الإخوة والأخوات في الكلالة في حالتين أساسيتين: الأولى وجود الأب إذ يحجبهم حجباً كاملاً وبوجوده لا تتحقق الكلالة أصلاً. والثانية وجود الابن أو ابن الابن فإن الفرع الوارث المذكر يحجب الإخوة ولا تتحقق الكلالة بوجوده. أما الأم والبنات فلا يحجبن الإخوة حجباً كاملاً بل يشاركونهم المال أو يُنقص نصيبهم بحضورهم دون أن يُسقطوا.
ومن أدق صور الحجب في الكلالة ما يقع عند اجتماع الأصناف الثلاثة معاً، وهو ما تكشفه المسألة الآتية.
مسألة اجتماع الأصناف: إذا اجتمع الأشقاء مع الأخت لأب والأخت لأم
من أدق مسائل الكلالة وأكثرها دلالةً على عمق الفقه الإسلامي أن يموت الميت كلالةً فيترك في آنٍ واحد إخوةً وأخواتٍ أشقاء، وأختاً لأب، وأختاً لأم، فيجتمع الأصناف الثلاثة في مسألة واحدة. وهنا تظهر قواعد الأولوية والحجب بجلاء تام.
تبدأ القسمة بأصحاب الفروض المقدرة، فتأخذ الأخت لأم السدس فريضةً مستقلةً لا تُنازَع فيها، لأنها وارثة بنص الآية الثانية عشرة من سورة النساء، ولا يُسقطها وجود الأشقاء ولا غيرهم من الإخوة. ثم ينظر بعد ذلك في نصيب الأشقاء، فيرثون ما تبقى تعصيباً للذكر مثل حظ الأنثيين، إذ هم أقوى الأصناف قرابةً وأحقهم بالتعصيب.
وعند هذا الحد تبرز مسألة الأخت لأب، وهي موضع الدقة الفقهية في هذه الصورة. فإن كانت في المسألة أخت شقيقة واحدة أخذت النصف فرضاً، بقي بعده السدس تكملةً للثلثين، فتأخذه الأخت لأب حينئذٍ تكملةً لا فرضاً مستقلاً، ولا يبقى شيء للتعصيب. أما إن وُجد في المسألة أخ شقيق أو تعدد الأشقاء واستغرقوا ثلثي التركة أو أكثر بالتعصيب، سقطت الأخت لأب كلياً ولم ترث شيئاً، لأن الثلثين هو منتهى ما تستحقه الأخوات فرضاً، وقد استوفاه الأشقاء فلم يبق للأخت لأب موضع. وهذا ما يُعرف في علم الفرائض بـ”سقوط المفضول عند استيفاء الفاضل لحقه”
ولتقريب الصورة مثال عددي: لو قُدِّرت التركة بستة أسهم، أخذت الأخت لأم سهماً واحداً وهو السدس، وأخذت الأخت الشقيقة ثلاثة أسهم وهي النصف، فبقي سهمان، أخذت الأخت لأب منهما سهماً واحداً تكملةً للثلثين، وبقي السهم الأخير للأخ الشقيق إن وُجد تعصيباً. فإن لم يكن ثمة أخ شقيق وكانت الأخت الشقيقة قد عُصِّبت بأخ، استهلك التعصيب ما تبقى ولم تأخذ الأخت لأب شيئاً.
وفي هذه المسألة درسٌ بليغ في منهج الفرائض الإسلامية، إذ لا تُلغى فئة من الورثة جزافاً، بل يُوزن حقها بميزان دقيق يراعي قوة القرابة وجهتها ومقدار ما استوفاه من هو أقوى منها، فلا ظلم ولا إهدار لحق.
“الكلالة وأهميتها الفقهية”
أشكلت مسألة الكلالة على الصحابة رضوان الله عليهم، حتى قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما أنا في شيء أعيا عليّ من الكلالة”، مما يدل على دقة هذه المسألة وعمق غورها في الفقه الإسلامي. ولهذا خُصّت بآيتين في القرآن الكريم، وكانت الآية السادسة والسبعون بعد المئة من آخر ما نزل من أحكام الميراث، فكأن الشريعة أرادت أن تُحكم هذا الباب وتُتمه إتماماً.
الكلالة باب دقيق من أبواب علم الفرائض يقوم على غياب الوارثَين الأقوَيَين وهما الأب والابن، فتنتقل التركة إلى الحواشي من الإخوة والأخوات وفق نظام يراعي درجة القرابة وجهتها وجنس الوارث وعدده. وحين تجتمع الأصناف في مسألة واحدة كما رأينا تتجلى عبقرية الفقه الإسلامي في موازنة الحقوق وترتيب الأولويات دون أن يُهضم حق أحد إلا لسبب مشروع وبقدر معلوم. وفي تفصيل القرآن الكريم لهذه الأحكام بآيتين محكمتين دليل على شمول الشريعة ورعايتها لحقوق كل وارث مهما بعدت صلته أو دقّت منزلته.

زر الذهاب إلى الأعلى