


مني النور ادم
في الحروب؛ لا تتوزع المعاناة بالتساوي؛ فالفئات الأشد هشاشةً مثل الأطفال والنساء والمرضى وذوي الإعاقات، تدفع عادةً كلفة مضاعفة. وفي السودان؛ حيث تستمر الحرب منذ أبريل 2023، وجد المكفوفون أنفسهم أمام خطر من نوع خاص؛ حيث لا يستطيعون رؤية الطريق أو مصدر التهديد، ويعتمد كثير منهم على مرافقين أو أدوات مساعدة فقدوها خلال الصراع، لتصبح النجاةُ مهمة شاقة.
“أمل الخير” هي وشقيقها من فاقدي البصر، تصف ما عاشته خلال الحرب قائلة: “كنا نعيش في خوف دائم؛ فصوت الرصاص ودويّ المدافع لا يتوقفان، وأصبحت الحياة أكثر تعقيدًا لنا كمكفوفين”. وتضيف لـ”مواطن” أنّ الحرب وصلت إلى الحي الذي تقيم فيه في شهرها الخامس، وأنّ أسرتها قررت النزوح بعدما علمت أنّ قوات الدعم السريع طلبت إحضار فتيات من الحي؛، فضلًا عن تعقد الظروف المعيشية.
مرت أمل ومعها آلاف المكفوفين والمكفوفات برحلة النزوح- حيث أجبرت الحرب ملايين السودانيين عليها- متنقلين من مدينة إلى أخرى، وتعرض بعضهم لاعتداءات من عناصر في قوات الدعم السريع، وفق شهادات جمعتها “مواطن”. وبعد انحسار المعارك في العاصمة وعودة بعضهم برفقة أسرهم، ظلوا يواجهون تحدّيات من نوع آخر، تتعلق بمخلفات الحرب التي لا يستطيعون رؤيتها، وبفقدان الخدمات الخاصة بهم بعد الدمار الذي لحق بالمؤسسات المعنية برعايتهم، وفي مقدمتها معهد النور القومي لتعليم المكفوفين.
“لم يصدقوا إعاقته البصرية”
اضطرت أمل وأسرتها إلى النزوح من مدينة الخرطوم ليلًا سيرًا على الأقدام حفاةً عطاشًا، بينما كانت والدتها تقودها هي وشقيقها وسط أصوات الرصاص التي ملأت قلوبهم رعبًا، حتى وصلوا إلى إحدى قرى ولاية نهر النيل شمالي البلاد. وكحال كثير من النازحين، لم يجدوا مأوى أو سكنًا؛ فاستقروا في منطقة خالية من الخدمات، وأصيبت أمل بجرح في يدها خلال جمعها الحطب لطهي الطعام.
وخلال وجودها في الولاية الشمالية التقت أمل عددًا من المكفوفين، وصفت أوضاعهم بالمأساوية. وتقول إنها استمعت إلى شهادات صادمة، من بينها قصة شاب من الخرطوم تُرك وحيدًا تحت شجرة بعد أن فرّ مرافقوه هربًا من ملاحقة جنود من الدعم السريع. وبحسب روايتها، لم يصدق الجنود إعاقته البصرية واعتدوا عليه بالضرب، وحاولوا اختبار صدق ما يقوله عن فقدان بصره بالنار. كما تروي حادثة أخرى لأشقاء مكفوفين اعتدى عليهم جنود من الدعم السريع بإغراقهم في الماء، لعدم تصديقهم أنهم فاقدو البصر، قبل أن تنقذهم شهادات بعض جيرانهم. تقول أمل بصوت يغلب عليه الحزن، إنّ أقسى ما فقدته خلال الحرب كان والدها، الذي أصيب بالفشل الكلوي ورحل في ظروف النزوح والمعاناة.
بلال محمد أحمد، أحد فاقدي البصر من مدينة بحري، يقول إنه اضطر إلى النزوح من الخرطوم في الشهر الثالث من اندلاع القتال، بعدما أصبحت الحياة مستحيلة. نزح بلال أولًا إلى مدني، ثم إلى ولاية كسلا، قبل أن يقرر العودة إلى الخرطوم، لكنه وجد أنّ المدينة لم تعد كما كانت؛ فالقصف العشوائي والنهب وحالات التعذيب والتجنيد القسري كانت أسبابًا كافية لاتخاذ قرار نزوح جديد، وصفه بلال بأنه الأصعب.
وفي شهادة أخرى، يروي عاطف محمد عثمان الحاج، عضو اتحاد المكفوفين منذ عام 1983، تفاصيلَ قاسيةً عاشها بعد اندلاع الحرب. يقول إنه أُجبر على مغادرة منزله في منطقة “شمبات الأراضي” تحت تهديد السلاح، لينزح بعدها إلى مدينة أم درمان. ورغم هذه الظروف، يقول عاطف إنه ورفاقه حاولوا أداء دور مجتمعي خلال الحرب عبر مبادرة للأشخاص من ذوي الإعاقة، شاركوا من خلالها في حملات للتبرع بالدم لصالح المصابين، ونظموا أنشطة ومحاضراتٍ في عدد من المواقع. ويضيف: “كنا نؤمن بأنّ من واجبنا أنّ نقدم دورًا تجاه مجتمعنا رغم كل ما نعانيه”. وبعد استعادة السيطرة على مدينة الخرطوم بحري، يقول عاطف إنه كان من أوائل المكفوفين الذين عادوا إلى المنطقة، وزار معهد المكفوفين والاتحاد القومي للمكفوفين، ليطّلع حجم الدمار الذي طال مؤسسات يعتمد عليها المكفوفون في التعليم والتنظيم والخدمات.
استجابة إنسانية دون المطلوب
يقول الأمين العام للاتحاد القومي للمكفوفين، مرتضى أحمد آدم، إن الاتحاد أطلق -بالتعاون مع عدد من المنظمات الخيرية- مبادرة “ممرات آمنة”، التي ساعدت في إجلاء نحو ثلاثة آلاف شخص من ذوي الإعاقات، بينهم حوالي 800 كفيف، إضافة إلى إنشاء دور إيواء في ولايات ود مدني وكسلا والقضارف ونهر النيل. ويضيف لـ”مواطن” أنه بعد دخول قوات الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة، ظهرت حاجة جديدة لإجلاء مكفوفين نزحوا إليها سابقًا. وبسبب محدودية الإمكانات، لجأ الاتحاد إلى مناشدة المنظمات وأهل الخير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتمكن من جمع مبالغَ ساعدت في إجلاء نحو 300 كفيف إلى ولايات كسلا ونهر النيل والبحر الأحمر.
ويستدرك أنّ الاستجابة الإنسانية لا تراعي احتياجات المكفوفين بالقدر الكافي، رغم حاجتهم إلى ترتيبات خاصة في الإخلاء والإيواء وتلقي المساعدات. ويوضح أنّ الاتحاد عمل على لفت انتباه المنظمات إلى هذا القصور، وتمكن من القيام بمساعدات محدودة في عدد من الولايات. ويذكر أنّ المكفوفين الذين لم يتمكنوا من مغادرة الخرطوم واجهوا أوضاعًا أشدَّ قسوة؛ خصوصًا مع الانتهاكات التي تعرّض لها بعضهم على يد قوات الدعم السريع، وحيث قتل أحد أعضاء الاتحاد في منطقة الصالحة، فيما توفي آخرون بسبب الأمراض وغياب الرعاية الصحية، وفق قوله.
ويتابع آدم أنّ النزوح كان من أبرز المعوقات التي واجهت المكفوفين خلال الحرب في العاصمة؛ إذ فقد كثيرٌ منهم المأوى والعمل والممتلكاتِ الشخصية، فضلًا عن وسائل أساسية للحركة والاستقلالية؛ مثل العصا البيضاء والأجهزة المساعدة التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية. ويشير إلى أنّ الاتحاد نفسه يعمل في ظروف معقدة بعد تعرُّض ممتلكاته للنهب والسطو، بما في ذلك أجهزة الحاسوب والمركبات؛ ما أعاق قدرته على تقديم الخدمات لمنسوبيه.
ويناشد آدمُ المسؤولين بفكّ التجميد عن عمل المنظمات والاتحادات حتى تتمكن من استئناف أنشطتها الإنسانية وتقديم خدماتها للمنتسبين إليها، كما يدعو إلى إعفاء الطلاب المكفوفين من الرسوم الدراسية ومراعاة أوضاعهم الاستثنائية؛ خاصة أنّ كثيرين منهم فقدوا منازلهم وممتلكاتهم وتعرضوا للتهجير. وبحسب تقديرات الاتحاد، يتراوح عدد المكفوفين في السودان بين 150 ألفًا و350 ألف كفيف، تضرر منهم أكثر من 100 ألف بصورة مباشرة جرّاء الحرب.
حرمان من التعليم
إلى جانب تحديات النزوح والمعيشة، يواجه الطلاب المكفوفون صعوباتٍ كبيرةً في العودة إلى صفوف الدراسة، بسبب التخريب الواسع الذي طال “معهد النور للمكفوفين” وعددًا من المنشآت في الخرطوم. يقول عثمان كرار سلمان، وهو أحد المعلمين بالمعهد، إنّه من أبرز المؤسسات الحكومية المتخصصة في تعليم المكفوفين في السودان، كما كان يمتلك المطبعة الوحيدة في البلاد التي تتولى طباعة المناهج بطريقة “برايل”.
ويذكر لـ”مواطن” أنّ الحرب أثرت مباشرة على هذه الخدمات، بعدما تضررت المرافق داخل المعهد، بينها داخلية الطلاب التي كانت تستقبل القادمين من الولايات، إلى جانب صالة الطعام وبعض المكاتب؛ ما انعكس على استقرار العملية التعليمية.
ويضيف أنّ المعهد كان يضمّ نحو 135 تلميذًا وتلميذة، 80 منهم من داخل ولاية الخرطوم، بينما يأتي البقية من ولايات أخرى. ويشير إلى أنّ عددًا من الطلاب حاولوا الالتحاق بمدارسَ عامةٍ بعد توقف الدراسة في المعهد، إلا أنهم واجهوا رفضًا من بعض الإدارات المدرسية، بحجّة عدم القدرة على التعامل مع احتياجاتهم؛ ما دفع كثيرين إلى البقاء في منازلهم والانقطاع عن التعليم. لافتًا إلى أنّ نقص الكتب المدرسية يمثل أحد أبرز التحديات أمام استمرار تعليم المكفوفين بعد تعطل المطبعة المختصة بطباعة مناهج “برايل”؛ الأمر الذي جعل العملية التعليمية شبه مستحيلة في الظروف الراهنة.
بعد عودته إلى منزله عقب انحسار المعارك في الخرطوم، يقول بلال إنّ الوضع بدا أفضل نسبيًا، لكن الخطر لم يختفِ؛ فمخلفات الحرب المنتشرة في الأحياء؛ من متفجرات لم تُكتشف بعد، إلى جثامين دُفنت داخل المنازل، وتشكل تهديدًا يوميًا للسكان، وتزداد خطورتها على المكفوفين الذين لا يستطيعون تمييز الأجسام الغريبة أو تجنبها بسهولة. ومن واقع تجربته، يناشد بلال المسؤولين والمنظمات بمراعاة أوضاع المكفوفين عند التعامل مع مخلفات الحرب، عبر وضع علاماتٍ وتحذيراتٍ واضحة تساعدهم على معرفة مناطق الخطر وتجنبها، حتى لا تتحول العودة من النزوح إلى مواجهة جديدة مع تهديدات لا يستطيعون رؤيتها.



