في وقت سابق من شهر مايو حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن اتساع وتكثيف العنف في السودان، بالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للطائرات بدون طيار، قد يؤدي إلى المزيد من القتلى والنزوح، مؤكداً أن “المجتمع الدولي مطالب بالتحرك، لأنه ما لم يتم اتخاذ إجراء دون تأخير، فإن هذا الصراع على وشك الدخول في مرحلة جديدة أكثر دموية”.
مسرح للقتل
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحولت سماء السودان إلى مسرح لقتل صامت ومنظم، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار السلاح الأكثر فتكاً بالمدنيين، متجاوزة بذلك القصف المدفعي والاشتباكات المباشرة. ففي تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مايو الماضي، حذر المفوض السامي فولكر تورك من أن “المجتمع الدولي مطالب بالتحرك، لأنه ما لم يتم اتخاذ إجراء دون تأخير، فإن هذا الصراع على وشك الدخول في مرحلة جديدة أكثر دموية”.
ووفقاً لبيانات المفوضية تسببت ضربات الطائرات بدون طيار في 80% من جميع وفيات المدنيين المرتبطة بالصراع، إذ قُتل ما لا يقل عن 880 شخصاً بواسطة طائرة بدون طيار بين يناير وأبريل من هذا العام وحده. وفي تطور مقلق كشف تقرير لشبكة الجزيرة أن عدد الهجمات بالطائرات بدون طيار منذ اليوم الأول للحرب في 15 أبريل 2023 وحتى 23 يناير الماضي بلغ أكثر من 1003 هجمات موزعة على مختلف أنحاء البلاد.
أين يسقط الموت من السماء؟
تكشف خرائط الهجمات عن نمط مأساوي حقيقي إذ تتركز الضربات في المناطق المأهولة بالسكان. ووفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن وكالة رويترز للأنباء، فقد شهدت الخرطوم وحدها 440 هجوماً، تليها شمال كردفان بـ122 هجوماً، ثم شمال دارفور بـ118 هجوماً، وغرب كردفان بـ90 هجوماً. كذلك فصلت الأرقام توزيع الوفيات، إذ أن شمال دارفور سجلت 577 قتيلاً مدنياً، وغرب كردفان 567 قتيلاً، وشمال كردفان 548 قتيلاً، والخرطوم 403 قتلى.
وفي بداية شهر مايو الماضي وتحديداً في 8 مايو، قُتل 26 مدنياً إثر ضربات جوية استهدفت منطقتي القوز في جنوب كردفان وبالقرب من الأبيض في شمال كردفان.
وقالت منظمة محامي الطوارئ السودانية آنذاك إن تسع هجمات بطائرات بدون طيار استهدفت مركبات مدنية خلال عشرة أيام فقط ما أسفر عن مقتل 36 شخصاً على الأقل في سبع ولايات.
المفارقة المروعة أن هذه الآلات القاتلة ليست مكلفة بالمقاييس العسكرية. فطائرة “بيرقدار تي بي 2” التركية وهي الأكثر انتشاراً في السودان وأفريقيا تبلغ تكلفتها نحو 5 ملايين دولار فقط للوحدة الواحدة ما يجعلها في متناول الأطراف المتحاربة. هذا المبلغ لا يتجاوز ثمن طائرة مقاتلة تقليدية واحدة لكنه يكفي لشراء الموت لمئات المدنيين.
في المقابل تستخدم أطراف خارجية طائرات أكثر تطوراً وتكلفة. فمصر علي سبيل المثال التي دخلت بشكل مباشر في الصراع لدعم الجيش السوداني، تستخدم طائرات “أكينجي” التركية التي يصل مداها إلى أكثر من 4500 ميل (مسافة الطيران الإجمالية الممكنة خلال مهمة طويلة مع الاتصالات عبر الأقمار الصناعية) وتحمل ثلاثة أضعاف ذخيرة طائرة بيرقدار TB2 وتبلغ تكلفة كل طائرة من هذا الطراز 25 مليون دولار.
حيث تتميز أكينجي بقدرة أكبر بكثير على التحليق لمسافات طويلة وحمل ذخائر ثقيلة مقارنة ببيرقدار TB2، مع إمكانية تنفيذ مهام بعيدة المدى عبر أنظمة اتصال متطورة
أما الخسائر البشرية المباشرة فإنها بالطبع تفوق أي تقدير مالي، فوفقاً لبيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح (ACLED)، قُتل ما لا يقل عن 2,670 شخصاً بينهم مدنيون ومقاتلون، العام الماضي وحده سجل زيادة بنسبة 600% في الوفيات المرتبطة بالطائرات بدون طيار مقارنة بالعام السابق.
والإجمالي التقديري للقتلى منذ بداية الحرب يقترب من 59,000 شخص.
النزوح واللاجئون
لا يزال السودان يمثل أكبر أزمة نزوح في العالم إذ بلغ عدد النازحين داخلياً حوالي 9.3 مليون شخص، بينما فرّ أكثر من 4.5 مليون إلى الدول المجاورة. والمأساة أن أكثر من نصف هؤلاء النازحين (55%) هم أطفال دون سن الثامنة عشرة.
وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الوضع بأنه “أزمة متحركة”، إذ تضطر العائلات ومعظمها من النساء بمفردهن مع أطفالهن، إلى الفرار عدة مرات خلال ثلاث سنوات. وتقول المنظمة إن العديد من العائدين إلى ديارهم يجدون “لا ماء، لا رعاية صحية، لا مدارس”.
وهذا يتوافق مع تحذيرات تورك، الذي قال إن المدنيين يواجهون خطر نزوح إضافي نتيجة تكثيف محتمل للأعمال العدائية، خاصة في مدن الأبيض والدلنج بجنوب كردفان التي مازال يسيطر عليها الجيش.
متى يتوقف الموت؟
في الوقت الذي تتسابق فيه الأطراف المحلية والإقليمية لشراء أحدث وأفتك الطائرات بدون طيار، يبرز السؤال المهم الذي يسأله المواطن السوداني، ألم يحن الوقت لوقف هذه الموت؟ كل طرف يحلم بتحقيق نصر عسكري حاسم لكن الثمن يُدفع بدماء الأبرياء.
الطائرات بدون طيار لم ولن تحقق نصراً حاسماً لأي طرف بل أطالت أمد الحرب وجعلتها أكثر فتكات و دموية. والأكثر خطورة أن هذه الطائرات مكنت القتال من الاستمرار خلال موسم الخريف (موسم الأمطار) الذي كان يتسبب سابقاً في تراجع العمليات البرية.
إن الاستمرار في إشعال هذا الصراع يعني المزيد من القتلى والمزيد من النازحين والمزيد من الجوع. فمع استمرار القتال تتضاءل فرص وصول المساعدات الإنسانية خاصة مع تأكيد تقارير الأمم المتحدة الموثقة أن 33 مليون شخص – ثلثي السكان – يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وأكثر من 21 مليون شخص يحتاجون إلى رعاية صحية.



