
رشا عوض
تمر اليوم الذكرى السابعة لمجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وقد كانت الحلقة الأولى في مسلسل الثورة المضادة! تمر علينا هذه الذكرى وما زلنا في ويلات الحلقة الأخيرة من ذات المسلسل ممثلة في هذه الحرب اللعينة التي دخلت عامها الرابع!
إن الدماء السودانية العزيزة التي سالت وما زالت تسيل يجب أن تُعَبِّد طريق الوطن إلى الحرية والحكم المدني الديمقراطي!
ولكن معطوبي العقل والضمير يظنون – وبعض الظن إثم – أن هذه الدماء تصلح لتعبيد الطريق نحو استبداد عسكري جديد! وتصلح لصناعة أوسمة بطولة للعسكر والكيزان وتسويقهم مجدداً عبر كتابة تاريخ جديد للسودان يبدأ بحرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣، ويزعم أن قبلها لا شيء! وبعدها تتويج الجيش بطلاً وحاكماً بحاضنة كيزانية أو بغيرها! يمكن تقديم “الدعم السريع” كبش فداء وتحميله وحده مسؤولية تلك المجزرة والقفز على حقيقة أن المسؤولية عن المجزرة ثلاثية: الجيش والدعم السريع وكتائب الظل الأمنية والعسكرية الكيزانية.
إن مخاضات الدم القاسية يجب أن نستخلص منها الدروس الصحيحة حتى لا تتكرر! ويتطلب ذلك إضاءة المشهد بكل زواياه ليطل وجه الحقيقة كاملاً!
الجيش والدعم السريع اتخذا قراراً بفض الاعتصام نتيجة لطمعهما معاً في السلطة ورغبتهما المشتركة في تصفية الثورة، وكانت لهما خطة لتنفيذه، أي فض الاعتصام!
كثير من المراقبين رجحوا أن تكون كتائب الظل الكيزانية هي من نفذت فض الاعتصام بتلك الوحشية انتقاماً من الثورة وتمهيداً لأوضاع سياسية ملتهبة قد تنتهي بنجاح “ضابط كوز” في أن ينقلب على البرهان وحميدتي ويكون متنكراً في ثياب الثأر للشهداء والانحياز للشارع الثائر! أو على الأقل نجاح سيناريو الانتخابات المزورة وإعادة إنتاج نظام كيزاني خلف مظلة الجيش والدعم السريع.
“الدعم السريع” صرحت قيادته بأنها قبضت على مئات الأشخاص الذين كانوا يرتدون أزياء الدعم السريع ونفذوا الجرائم البشعة في فض الاعتصام ووثقوها بالفيديو، وكان هناك أكثر من ألف معتقل مسجونين بواسطة الدعم السريع الذي قال إنه يحقق معهم حول الجهة التي دفعت بهم إلى مسرح الجريمة بهدف توريطه، وطبعاً الجهة المعنية هي كتائب الكيزان وعناصرهم الأمنية، وبعد المجزرة كان حميدتي يردد في خطاباته كلمة: “ورطونا!”.
السؤال: لماذا امتنع الدعم السريع عن تمليك الشعب السوداني للحقيقة كاملة؟ ما دام يقول إنه لم يرتكب جرائم القتل والسحل والاغتصاب ورمي الجثث في النيل مربوطة بالحجارة وإحراق الخيام؟ لماذا لم يكشف بالاسم عن الجهة التي فعلت كل ذلك وهي ترتدي أزياءه وصورت الجرائم لتوريطه كما يدعي؟
الإجابة حسب مراقبين – كلهم لا يريدون الحديث العلني – هي أن الدعم السريع استخدم المعلومات والأدلة التي تحصل عليها من مئات المعتقلين لديه ووثقها بالصوت والصورة، استخدمها في ابتزاز الكيزان وتحديداً أجهزتهم الأمنية والعسكرية، وتحت هذا الابتزاز حصد الدعم السريع التمدد في مساحات عسكرية جديدة ودخل إلى مناطق كانت محظورة عليه مثل منظومة الصناعات الدفاعية التي امتلك 30% من أسهمها! وهناك أيدٍ مخابراتية إقليمية خفية هندست كل المساومات التي تمت بين الكيزان والدعم السريع على حساب كشف حقيقة ما جرى!
أما قضية تحقيق العدالة في هذه الجريمة فقد تمت إحالتها للجنة الأستاذ نبيل أديب الذي انتهى به المقام الآن في قلب الحواضن السياسية للعسكر “الكتلة الديمقراطية”، أي إنه تحول إلى لاعب سياسي مصطف مع أحد المتهمين! وموقفه الراهن يطعن في أهلية تلك اللجنة بأثر رجعي ويوسع “دائرة الشك المشروع” في نزاهتها وجديتها.
خلاصة المأساة:
الجيش أجرم عندما وقف متفرجاً على العزل يُقتلون أمام مبنى قيادته العامة وأغلق أبوابه في وجوه المستجيرين به! وقف “حامي الأرض والعرض” متفرجاً على جرائم الاغتصاب والقتل ولم يحرك ساكناً! والأمر طبيعي جداً فالجيش اعتاد ليس فقط الفرجة على مثل هذه المشاهد بل اعتاد على المشاركة فيها بنفسه مع المليشيات التي صنعها خصيصاً لذلك!
الدعم السريع أجرم، فقد كان شريكاً في اتخاذ قرار فض الاعتصام، وأجرم بإخفاء الحقيقة على الشعب السوداني حول الجهة التي زعم أنها ورطته، واستخدام دماء السودانيين كورقة مساومة للتمكين العسكري، هذا لو صدقت روايته حول الطرف الثالث الذي ارتدى أزياءه ونفذ، ولو لم تكن الرواية صحيحة فمعناه أنه فعلاً ارتكب المجزرة هو والجيش بكل تفاصيلها، والدعم السريع ليس مبرأً من مثل هذه الجرائم، وقد شهدت هذه الحرب انتهاكات فظيعة بواسطة جنوده، فلو أراد أن يتبرأ من مجزرة فض الاعتصام فكان يجب أن يملك الرأي العام الحقيقة كاملة عن هوية الفاعل.
الجيش والدعم السريع أجرما معاً عندما قررا فض اعتصام سلمي حتى لو تم التنفيذ بخراطيم المياه والعصي مثلما زعموا، والجرم الأكبر هو سعيهما معاً لإقامة دكتاتورية عسكرية على أنقاض الاعتصام والغدر بالثورة، لولا ملحمة 30 يونيو 2019 ثم الضغوط الدولية التي أجبرتهما على العودة للتفاوض مع المدنيين.
أما الكيزان فجرمهم الأكبر هو إفسادهم للمنظومة الأمنية والعسكرية ورفع مستوى توحشها ضد الشعب السوداني لدرجة أن مجزرة فض الاعتصام تمت في عقر دار الجيش! والكارثة أننا عندما ننظر إلى تاريخ حروبنا السابقة والحرب الراهنة نجد أن هذه المجزرة، رغم بشاعتها، مجرد عينة صغيرة من أفعال الجيش والجنجويد والأمن! وأخشى ما نخشاه أن تكون نظرتهم للحرب الحالية التي قتلت عشرات الآلاف أنها كذلك مجرد حدث اعتيادي وبعده تعود الأمور إلى ما كانت عليه!
الجرم الأكبر للكيزان هو هذا الإفساد للمنظومة العدلية بكاملها وإضعافها مهنياً وأخلاقياً لدرجة فقدانها للحد الأدنى من الاحترام! فقد أصبحت مجرد مسخ غير صالح للفصل في أي قضية، خصوصاً عندما تكون المؤسسة الأمنية أو العسكرية طرفاً فيها!
ولذلك كان الأجدى هو إحالة قضية مجزرة فض الاعتصام إلى المحكمة الجنائية الدولية لأن البيئة القانونية في السودان غير مؤهلة نهائياً لا للتحقيق المهني ولا لإعلان نتائجه ولا لمحاكمة الجناة.
يحتاج السودان إلى عملية إعادة بناء للدولة بكل مكوناتها، وعلى رأسها المنظومة الأمنية والعسكرية، والمنظومة العدلية، والخدمة المدنية، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، كل شيء بات معطوباً وفاسداً لدرجة مخيفة!
هل كانت الفترة الانتقالية كافية لكل هذه الإصلاحات؟ الفترة الانتقالية كانت بحاجة إلى إنجاز حزمة من الإصلاحات العاجلة التي تهيئ الملعب السياسي للانتخابات الحرة النزيهة التي تأتي بسلطة ذات مشروعية للتصدي لمهمة إعادة البناء والتأسيس، وفي هذا السياق كان من واجب “قوى الثورة” أن تتوافق على برنامج مفصل لقضايا التأسيس. انقلاب العسكر، وقبل ذلك سلسلة مؤامرات الثورة المضادة، أطاحا بالانتقال وأعاقا حتى الحدود الدنيا من التقدم إلى الأمام. أما هذه الحرب فهدفها استئصال “التفكير في التغيير” وإدخال الحياة السياسية تحت البوت العسكري مجدداً!
سلام على كل الأرواح العزيزة التي صعدت في ذلك اليوم، سلام على كل جريح ما زال يحمل جراحه وسام شرف، سلام على كل مفقود ما زال أحبابه في انتظاره! والعار لكل من قتلنا برصاص دفعنا ثمنه ليحمينا.



