الأعمدة

المشهد السوداني المرتبك

أسامة كنينة
مشهد لا يحتمل القراءة الأحادية …
الأحداث في السودان تتطور بصورة متسارعة ومفاجئة تفوق قدرات أكثر المتابعين حرصاً ، حيث لا أحد يستطيع التنبؤ بما يحدث غداً أو بعد ساعة، فالمشهد الحالي أشبه بـ”غرفة عمليات” تعج بالرسائل المتضاربة، والتحالفات المؤقتة، والضغوط المتقاطعة. في قلب هذه الفوضى، يقف معسكر بورتسودان (سلطة المجلس السيادي والجيش) في موقف المدافع الذي لم يعد يعرف من أين يؤتى، ولا كيف يدير تناقضاته الداخلية قبل مواجهة عدوه الخارجي.
ولنقرا المشهد بوضوح دعنا نتتبعه عبر اربع مسارات متداخلة :
المسار الأول: الربكة الجيوسياسية – تحالف يذوب من تحت الأقدام
أ. انسحاب مصري غير متوقع من جنوب السودان
في تطور يكسر كثيراً من المسلمات، تقدمت جوبا بطلب رسمي لإغلاق المنشأة العسكرية المصرية في “جوت-باجاك” (أعالي النيل) . جاء هذا الطلب بالتزامن مع دخول “اتفاقية عنتيبي” حيز التنفيذ، في خطوة واضحة تقلل من النفوذ المصري بالمنطقة وتجنب التوترات حول سد النهضة.
الانسحاب هنا مؤشر إلى أن الخريطة الجيوسياسية للقرن الأفريقي وحوض النيل تتغير بسرعة، وأن بورتسودان قد تجد نفسها معزولة في محيط إقليمي يلهث وراء مصالحه هو، لا وراء مصالحها.
ب. تعدد الآليات الدولية: خماسية مقابل رباعية
لم تعد الوساطة الدولية حكراً على المجموعة الرباعية التقليدية (أمريكا، السعودية، مصر، الإمارات) التي ركزت على الهدنة والملف الإنساني، بل برزت “الآلية الخماسية” (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيغاد، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي) لتتبنى المسار السياسي الشامل.
هذا يعني أن هناك مستجدات وتحولات عميقة ليصبح التدخل امميا بدل من دولي . فبينما تطلب الرباعية تنازلات إنسانية محدودة، تطالب الخماسية بحوار سياسي شامل لحل الازمات السودانية ما يعني قلب الطاولة علي استراتيجية الحكومة السودانية بالكامل .
ج. الدبلوماسية التركية: إغراء السلاح مقابل أوراق ضغط جديدة
زيارة البرهان إلى أنقرة ولقاؤه أردوغان، وما رافقها من مباحثات رفيعة المستوى (وزراء المالية، الزراعة، المعادن، الطاقة) حول التسليح وجدولة الديون، تقدم لبورتسودان متنفساً اقتصادياً وعسكرياً. فبورتسودان هنا لا تبحث عن حلفاء جدد بل تجدها نفسها مضطرة لاستدعاء الحليف البعيد بعد أن كادت تفقد القريب بالكامل .
المسار الثاني: الربكة السياسية – الكتلة الديمقراطية على حافة الانفجار
منبر أديس أبابا: انقسام علني غير مسبوق
التحضيرات للحوار السوداني-السوداني في أديس أبابا، بتيسير من الآلية الخماسية، فتحت الباب على صراع داخل “الكتلة الديمقراطية” (الذراع السياسي لحلف الجيش).
· تيار المقاطعة: 14 قوى سياسية (على رأسها حركة العدل والمساواة – جبريل إبراهيم، الحزب الاتحادي الأصل – جعفر الميرغني، ومجلس البجا – ترك) انسحبت أو اعتذرت، متهمة الآلية الخماسية بفرض الأجندة والخلط بين السياسي والأمني (بدعوة تحالف “تأسيس” التابع للدعم السريع).
· تيار المشاركة: أطراف أخرى (كحركة تحرير السودان – مني أركو مناوي، والتحالف الاجتماعي – مبارك أردول) أصرت على الحضور، معتبرة أن الاعتذار في اللحظة الأخيرة (خلال 72 ساعة) هو نوع من التخبط وليس المبدأ.
غياب الصوت الواحد عن الكتلة الديمقراطية التي تمثل الحاضنة السياسية للجيش يعني أن هذا المعسكر غير منسجم وما يجمعه هو اتفاق الحد الادني والتكتيك المرحلي ..
المسار الثالث: الربكة الاجتماعية-العسكرية – تفكك الحاضنة من الداخل
هذا هو المستوى الأخطر، لأنه يمس النسيج الذي يقوم عليه أي معسكر: التماسك الداخلي والإرادة الجماعية.
أ. تجاذبات اتفاق جوبا: حرب المناصب والحقائب السيادية
قبل الحرب، وقّعت حكومة السودان (مع بشارة) “اتفاق جوبا للسلام 2020” مع حركات مسلحة. اليوم، بعد تغير الميدان، تعلو أصوات داخل بورتسودان تطالب بمراجعة هذا الاتفاق. بالمقابل، تتمسك تلك الحركات (التي تقاتل الآن إلى جانب الجيش) بحقائب سيادية واقتصادية (كالمالية والمعادن) كضمان مالي لقواتها، وتستخدم ثقلها العسكري في جبهات مثل الفاشر كورقة ضغط. هذا “الابتزاز المتبادل” يشل أي حركة إصلاحية داخل المعسكر.
ب. التصدعات العلنية بين القوات المساندة للجيش
لم تعد الخلافات بين المليشيات والقوات المساندة للجيش سراً. هناك تباين واضح في الولاءات: بعضها وطني، والبعض الآخر إقليمي أو قبلي ضيق. هذا التباين يجعل تنسيق العمليات العسكرية شبه مستحيل، ويخلق حالة من الفوضى التنظيمية.
ج. تنامي خطاب العنصرية والجهوية والقبلية (القنبلة الموقوتة)
هنا أخطر المظاهر. الخطاب داخل معسكر بورتسودان (عبر وسائل الإعلام والمنصات والتجمعات الشعبية) يتجه نحو تأجيج الكراهية ضد “الآخر” على أسس قبلية وجهوية. هذا الخطاب العنصري المتنامي، يفتح جروح الماضي ويغرس بذور الصراع المستقبلي داخل معسكر بورتسودان نفسه بين مكوناته المختلفة ( رشايدة، زغاوة، قبائل البني عامر ، رفاعيبن، شكرية، بطاحين، شوايقة، جعليين، كواهلة … إلخ).
الاستنفار القبلي بدلاً من المؤسسة العسكرية الجامعة يعني أن المعركة لم تعد “جيش ضد ميليشيا”، بل تحولت إلى “حرب قبائل تحت غطاء الدولة”. وإذا استمر هذا المنحنى، فإن النصر العسكري -حتى لو تحقق- لن يؤدي إلى دولة متماسكة، بل إلى تفكك أعمق وهشاشة أفقها الاجتماعي. سيخلّف التسليح القبلي(انتشار السلاح) والثأر إرثاً قد يستغرق أجيالاً للتخلص منه.
المسار الرابع: الشعب.. الطرف الثالث الغائب
يغيب من هذا المشهد صوت الشعب السوداني نفسه، الذي تحول من ضحية إلى طرف ثالث غاضب يرفض أي تسوية مهما كانت، وإن اختلفت أسبابه. بين من يعتبر أي حوار مع الدعم السريع خيانة، ومن يرى أن الكتلتين تتنازعان على الغنائم، ومن فقد بيته ووطنه. هذا الغياب هو الفراغ الأخطر، لأنه يعني أن أي تسوية -حتى لو تحققت- ستولد ميتة.
هذه المسارات الأربعة تؤكد علي أن ما يعيشه معسكر بورتسودان ليس مجرد “أزمة عابرة” أو “تحديات مرحلية”. إنه مأزق حقيقي يتكون من ثلاثة مستويات متداخلة:
1. جيوسياسياً: يفقد حلفاءه القدامى، ويستجدي حلفاء جدداً بشروط باهظة.
2. سياسياً: حلفاؤه المدنيون منقسمون على أنفسهم، ولا صوت موحد لهم.
3. اجتماعياً-عسكرياً: حاضنته الاجتماعية تتفكك تحت وطأة الخطاب العنصري والاستنفار القبلي، والمليشيات المساندة له تتصارع علناً.
هذه الربكة المتعددة الأوجه تعني أن معسكر بورتسودان أصبح عاجزاً عن التحكم في خيوط اللعبة، سواء في الميدان أو على طاولة المفاوضات. كل متغير خارجي أو داخلي يجدها غير مستعدة، وكل ضغط دولي يجدها مترددة، وكل انقسام في صفوفها يجدها عاجزة عن لم الشمل.
—
kaneenaosama@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى