الأعمدة

إمبراطورية زادنا ،،، قاطرة إعمار أم واجهة لإبتلاع موارد الدولة

الهادي هبَّاني.
ورد في صفحة وكالة السودان للأنباء بتاريخ 18 مايو 2026م خبر عن إجتماعٍ مشترك بين ولاية الخرطوم وشركة زادنا العالمية للإستثمار، ناقش ما سُمِّي بمشروعات (إعمار الخرطوم). وبحسب الخبر، فإن الإجتماع بين الطرفين لم يكن الأول من نوعه، بل سبقته لقاءات عديدة جرى فيها بحث (جملة من المجالات) المتعلقة بالإعمار، قبل أن يستقر النقاش هذه المرة على مشروعي تطوير شارع النيل والساحة الخضراء (بمواصفات عالمية). إلى جانب مشاريع أخرى تشمل الطرق والسياحة والموانئ البرية والبصات، ثم إنتهى الإجتماع كالمعتاد في إجتماعات (مافيا إقتصاد الحرب وأثريائها) بتكوين لجان متخصصة في تفصيل الأمور على مقاس الأطراف المجتمعة من المافيا وتطلعاتها. وسترفع اللجنة ذات العين الألكترونية توصياتها تماماً حسب السيناريوهات المعدة سلفاً خلال أسبوعين تمهيداً لتوقيع الإتفاقيات النهائية والشروع في التنفيذ.
وبالتأكيد، لم يتضمن الخبر أي تفاصيل عن تكلفة المشاريع، أو مصادر تمويلها، أو دراسات جدواها الفنية والإقتصادية، أو الجهة التي ستتحمل مخاطرها المالية، وكأن هذه المشاريع سيتم تنفيذها عبر تقنية جديدة لا تزال مجهولة للإقتصاديين تحمل إسم (التمويل بالمواصفات العالمية) دون أي توضيح حقيقي لمصادر الأموال أو الجهات المستفيدة، بأسلوب إعتادت فيه السلطة علي تغليف المشاريع بالغموض وإخفاء التفاصيل والأهداف الحقيقية. ومن الواضح أن القصة عبارة عن جزء لا يتجزأ من مخطط مُعد سلفاً يمهد لسرقة أي منح ومساعدات مستقيلية لإعادة الإعمار. ويتم تلميع وتجهيز شركة زادنا لتلعب دور رأس الرمح في إدارة التدفقات النقدية الداخلة وكافة أشكال الدعم المرتبطة بإعادة الإعمار.
والمفارقة الكبرى هنا ليست في المشروع نفسه (أو في رمي الطُعم لمشاريع إعادة الإعمار نفسها)، بل في الشركة التي تتصدر المشهد. فزادنا ليست شركة خاصة عادية تعمل تحت رقابة السوق والدولة، بل واحدة من أكبر أذرعة الهيمنة المرتبطة بالإقتصاد الخفي لمنظومة الدفاع، والتي بدأت كشركة تابعة لصندوق التأمين الإجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة، ثم تحولت لاحقاً إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الصناعات الدفاعية التي هي نفسها عنوان وشعار إستهبالي. أي أنها عمليا عبارة عن إمبراطورية إقتصادية ضخمة تتحرك خارج ولاية وزارة المالية وخارج الموازنة العامة، دون شفافية معلنة، أو تقارير مالية منشورة، أو مراجعة يعرف الشعب من يقوم بها. وحتى موقعها الرسمي علي الشبكة العنكبوتية إختفى من الخدمة، وكأن الوصول إليه أصبح رفاهية لا تليق بعصر الغموض المؤسسي، أو متاهة أقرب ما تكون لخريطة الكنز المعقدة.
والحقيقة الوحيدة الواضحة وسط هذا الضباب أن أموال هذه الإمبراطورية لم تتساقط من السماء أو تأتي مع فيضان النيل والأمطار الموسمية، أو تتفجر من الحجارة أو تحملها رياح الهباباي. وإنما تُموِّل شركة زادنا كأحد المؤسسات المشبوهة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام، ومن وضع اليد عينك يا تاجر وبغير وجه حق على موارد البلاد الطبيعية، ومن إستقطاعات أجور ومرتبات الجنود وضباط الصف وصغار الضباط على شحها وضعفها وأوضاعهم المعيشية تشكو لطوب الأرض. مثلهم مثل بقية السودانيين حيث يتم تمويل المشاريع من عرقهم ومواردهم وعلى حسابهم ثم يُطلب منهم التهليل والتكبير لمشاريع لا يعرفون كيف تُدار وإلي أين تنتهي عوائدها.
ثم تأتي العقوبات الدولية التي فُرضت على الشركة خلال الحرب وتحديداً خلال السنوات 2023 و2024، من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي على التوالي، لتضيف حالة جديدة من السخرية والتراجيديا السوداء كوجهان لعملة واحدة، تُمثِّل فيها التراجيديا السوداء قاع المأساة، بينما تعمل السخرية كمرآة عاكسة ومخففة لوطأة هذا الألم، لتوليد فن يدمج بين الضحك والبكاء في آن واحد، ويُستخدم كأداة لمواجهة الواقع المرير أو تحويل الصدمات إلى مادة قابلة للإحتمال. فشركة تواجه كل ذلك السياج الحديدي من القيود المصرفية والتمويلية وتحديات التحويلات والإعتمادات البنكية وإستيراد المعدات، تُقدَّم اليوم بإعتبارها قاطرة للتطوير والإصلاح وإعادة الإعمار.
الأمر لم يعد مجرد نشاط إقتصادي محدود، بل تضخم هائل لإمبراطورية تسري وتتمدد في الزراعة والتعدين والتصنيع والإتصالات والمقاولات وفي كل شئ، وها هي اليوم تتجه نحو السياحة والبنية الحضرية والموانئ والنقل. ويبدأ الأمر بشارع النيل، ثم لا يستبعد بعد ذلك أن يستيقظ السودانيون يوماً ما ليكتشفوا أن كل موارد البلاد أصبحت محفظة من المحافظ الإستثمارية لشركة زادنا.
وفي المقابل، بينما يتم تمكين زادنا وتوسيع نفوذها على موارد البلاد، جرى تدمير مؤسسات القطاع العام الراسخة التي كانت تمثل أعمدة الإقتصاد الوطني الحقيقي، كمؤسسة الأقطان، شركة الحبوب الزيتية، شركة الصمغ العربي، وشركة المواشي واللحوم، حتى أصبحت اليوم مجرد آثار مهملة لحضارة منقرضة عفى عليها الزمن كان إسمها القطاع العام، وحكايات تُروى عن (الماضي التليد) لا يوجد في ملفاتها ومضابطها غير سجلات النزاعات القانونية المحفوظة أو المؤجلة لآلاف المساهمين من المنتجين الساعين لإستعادة حقوقهم.
إن إعادة إعمار السودان لا يمكن أن تتحول إلى مشروع إحتكار جديد تُدار فيه موارد الدولة عبر كيانات مغلقة ومشبوهة لا تخضع لرقابة الشعب ولا لمؤسسات الدولة المدنية. فالإقتصاد الموازي الذي نما في الظل لعقود لم يبنِ دولة، بل بنى مراكز نفوذ ضخمة تبتلع الموارد كما تبتلع مجرات أو ثقوب عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينج السوداء التي تبتلع أي كائن يقترب منها وترمي بها في غيابة المجهول ولا تسمح حتي للضوء بسرعته الهائلة للهروب من قوة جاذبيتها وقدرتها للإمتصاص. حيث تتدفق الأموال الداخلة ولا أحد يعرف أين ذهبت، وتُوقَّع الإتفاقيات.
وهكذا، لا أحد يعلم من المستفيد، بينما يبقى المواطن صاحب المال والبلاد واقفاً خلف الجدار، يراقب المشهد كاملًا من خلف واجهة دعائية ضخمة تحمل شعار (التطوير بمواصفات عالمية).

زر الذهاب إلى الأعلى