


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
منذ أن تسرّبت من داخل اجتماع مجلس إدارة الاتحاد السوداني لكرة القدم معلومات تشير إلى إجازة مديونية تجاوزت مليوني دولار ونصف المليون لصالح رئيس الاتحاد الدكتور معتصم جعفر ونائبه الأول ورئيس لجنة المنتخبات الوطنية أسامة عطا المنان، والشارع الرياضي السوداني يغلي بتساؤلات مشروعة لم تجد لها حتى اللحظة صدىً من المسؤولين.
ولسنا هنا في مقام إطلاق الأحكام أو رمي الاتهامات جزافاً، فالأمانة الصحفية تقتضي التمييز الدقيق بين ما هو مؤكّد وما هو متداول. غير أن هذه الأمانة بعينها تفرض علينا أن نرفع أسئلةً مشروعةً يكفلها حق الرأي العام في المعرفة، ولا يجوز لأحد مصادرتها أو التهرب من الإجابة عنها.
أولاً : متى صُرفت هذه الأموال وعلى أي وجه؟
التساؤل الأول والأكثر إلحاحاً هو : في أي حقبة زمنية تراكمت هذه المديونية الضخمة؟ وعلى أي بنود بالتحديد أُنفقت؟ هل ثمة سجلات مالية موثّقة وفواتير مُعتمدة تكشف طبيعة هذه المصروفات وتواريخها ومستنداتها الثبوتية؟ وهل خضعت لمراجعة مستقلة من جهة تدقيق محايدة بعيدة عن هيمنة الاتحاد ذاته؟
هذه ليست أسئلة اتهامية بالضرورة، بل هي أدنى متطلبات الحوكمة المالية التي تفرضها أنظمة فيفا وكاف على كل اتحاد وطني في العالم دون استثناء ودون تهاون.
ثانياً : أين ذهبت موارد الاتحاد طوال هذه السنوات؟
المعروف للرأي العام أن الاتحاد السوداني ظل يشكو من ضائقة مالية خانقة طوال السنوات الماضية، وأن لاعبي المنتخب الوطني الأول الذين رفعوا رايته عالياً في الملاعب القارية والعربية انتظروا مستحقاتهم حتى يئس بعضهم وصمت آخرون.
وفي الوقت ذاته ثمة حقائق موثّقة تستحق التوقف عندها بعين فاحصة : فالمعلوم أن الاتحاد السعودي لكرة القدم تكفّل بجميع تكاليف معسكر الطائف من تذاكر طيران وإقامة وإعاشة وملاعب تدريبية، والمعلوم أيضاً أن الدولة السودانية وفّرت طائرة خاصة للمنتخب الوطني في رحلات التصفيات المختلفة. بل إن الحافز الوحيد الذي لمسه اللاعبون بأيديهم جاء مباشرةً من رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا من خزينة الاتحاد.
فإن كانت هذه النفقات الكبرى مُغطّاةً من مصادر خارجية سخيّة، فما الذي أنفق عليه الاتحاد من موارده الخاصة التي يتلقّاها من فيفا وكاف؟ وهل استلم فعلاً المكافآت المرصودة للإنجازات الأخيرة كاملةً؟ وإن كان قد استلمها فإلى أين وُجِّهت؟
ثالثاً : ما قصة هذه المديونية التاريخية المتجددة؟
ليس هذا الملف وليد اليوم ولا هو مفاجأة من فراغ، إذ كشفت وقائع الانتخابات الماضية أن لجنة الأخلاقيات في الاتحاد استبعدت معتصم جعفر وأسامة عطا المنان من السباق الانتخابي بدعوى وجود شبهات مالية. وردّ جعفر بأن الميزانيات المراجعة أكّدت وجود مديونية على الاتحاد لصالحه تعود جذورها إلى عام 2011، وأن لجنةً كُوِّنت داخل الجمعية العمومية عام 2019 للنظر في تسوية تلك الأموال.
وهنا تتفرّع تساؤلات جوهرية لا تقبل الالتفاف : ما الذي أسفرت عنه تلك اللجنة؟ وهل أُتمّت التسوية فعلاً أم أن الملف طُوي دون حسم حقيقي؟ وإن لم يُحسم فلماذا تمتد هذه القضية عقوداً دون إجابة شفافة وحاسمة تُريح الضمير وتُقنع الرأي العام؟
رابعاً : لماذا الصمت الذي يقول كل شيء؟
لا يطالب الرأي العام بالمستحيل حين يطلب مؤتمراً صحفياً واحداً يُقدَّم فيه كشف حساب مفصّل وشفاف، يوضح فيه المسؤولون أوجه الصرف ومسوّغاتها القانونية والمالية فاتورةً فاتورةً. فهذا ما تفعله الاتحادات الرياضية الوطنية الرشيدة في سائر أنحاء العالم، وهو ما تشترطه صراحةً أنظمة الحوكمة في فيفا وكاف من كل اتحاد يحمل عضويتهما.
فلماذا لم يخرج أحد من مسؤولي الاتحاد بهذا الكشف الذي يحسم الجدل ويُسكت الأصوات المتشككة؟ وهل الصمت المتعمّد في مواجهة هذه التساؤلات المشروعة موقف يليق بمن يتولّى أمانة الكرة السودانية وثقة الجماهير التي منحته صوتها؟
خاتمة : الشفافية حق لا منّة
نعود ونؤكد ما افتتحنا به : هذا المقال ليس حكماً بالإدانة، ولا قرينةً على الإدانة، فلا إدانة قبل البيّنة ولا بيّنة قبل السماع. غير أن الشفافية المالية ليست هبةً يمنحها المسؤول للرأي العام متى شاء ويحجبها متى أراد، بل هي واجب قانوني وأخلاقي راسخ لا تسقطه المناورة ولا يُلغيه التهرب ولا يُطفئه الصمت مهما طال.
الكرة السودانية تعبر مرحلةً دقيقةً وسط ظروف استثنائية يرزح تحتها البلد، وهي أكثر ما تكون في حاجة إلى قيادة تُلهم بنزاهتها قبل خطابها، وتُجيب بالوثائق قبل التصريحات، وتُعلي مصلحة الكرة فوق كل حساب.
السؤال مطروح على الملأ .. فهل يجرؤ أحد على الإجابة؟



