الأعمدة

درع الغرب… حين تعيد الحركة الإسلامية الإرهابية فتح دفتر “فرّق تسد”

دعا النور أحمد آدم “القبة”، القائد السابق في الدعم السريع الذي انشق عنه في أبريل 2026، إلى توحيد الفصائل المنشقة تحت مسمى “درع الغرب”.
تندرج الدعوة في مسار سياسي طويل تديره الحركة الإسلامية الإرهابية عبر أذرعها في الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات. يقوم هذا المسار على تجميع مقاتلين خرجوا من قوة قائمة، وإعادة تنظيمهم في إطار جديد بهوية جهوية، مع إبقاء السلاح خارج مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
ومما لا شك فيه أن هذا النموذج يعيد إلى الواجهة أخطر موروثات الحركة الإرهابية منذ انقلاب 1989، وهو إدارة القوة المسلحة عبر تعدد المراكز والولاءات، أي سياسة “فرّق تسد”.
الدفاع الشعبي – أول أدوات السلاح الموازي
بعد أقل من خمسة أشهر من انقلاب 30 يونيو 1989، قنّنت قيادة الإنقاذ قوات الدفاع الشعبي ذراعاً مسلحة موازية للجيش النظامي. أُقيمت معسكرات في القطينة وخور طقت جمعت التدريب العسكري بالتعبئة الأيديولوجية تحت شعار الجهاد، وتنقّل خريجوها بين هذه المعسكرات وصفوف الجيش.
ومن نافلة الحديث أن حركة إرهابية وصلت إلى الحكم بانقلاب عسكري تحسب حساباً دائماً لانقلاب مضاد، ولذلك وزّعت القوة بين مراكز متعددة يرتبط كل منها بمشغّله الأمني. أصبحت هذه القاعدة جزءاً من بنية الحكم طوال عهد الإنقاذ، وتوسعت معها منظومة القوات شبه العسكرية والمليشيات المحلية.
فصائل غرب السودان
في غرب السودان تطورت منظومة موازية. استخدم نظام المخلوع البشير مليشيات عربية في حرب دارفور، ثم ضُمّت أجزاء من هذه التشكيلات إلى قوات حرس الحدود.
وتجدر الإشارة إلى معلومات نقلت مشاركة ضباط استخبارات في تأسيس حرس الحدود في عهد الإنقاذ، وعلي رأس المشرفين آنذاك الفريق عوض محمد أحمد ابن عوف رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، وأن هذه القوات تولت مهام القتال ضد الحركات المسلحة في دارفور في العديد من المناطق والمحاور، وجاء ذلك بعد إخفاقات متتالية صاحبت العمليات العسكرية التي كان ينفذها الجيش ضد الحركات المسلحة في دارفور.
بعدها جاء التأسيس الرسمي للدعم السريع عام 2013 من البيئة نفسها، ثم انتهى التنافس بينه وبين القوات المسلحة إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
لذا يتضح المسار بدءاً بالدفاع الشعبي، فالمليشيات العربية، فحرس الحدود، فالدعم السريع. اختلفت الأسماء والهياكل والقيادات، وظل المبدأ قائماً على استخدام قوى مسلحة خارج البنية التقليدية للجيش.
“فرّق تسد” الآلية بوضوح
تعمل هذه السياسة في الحالة السودانية عبر أربع خطوات متتابعة. تبدأ بتحويل الانتماء القبلي والجهوي من مكوّن اجتماعي إلى قناة للتجنيد والتسليح. ثم تدفع جماعة إلى مواجهة جماعة أخرى عبر التعبئة والتحريض. بعد ذلك تمنح الجهة المشغّلة السلاح والتمويل والغطاء السياسي لمن يدين لها بالولاء الكامل. وفي الخطوة الأخيرة تعمل على تفتيت أي تجمع مسلح يكبر حتى لا يستقل بقراره.
تنتج هذه الدورة مجتمعات منشغلة بصراعاتها الداخلية، وسلاحاً موزعاً بين آلاف الأيادي، وجهة أمنية واحدة تحتفظ بموقع الحكم من فوق الجميع.
وتقدر دراسات حديثة، منها تقدير مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية في يوليو 2026، وجود نحو 150 جماعة مسلحة، علي الأقل، في الصراع الحالي بين مليشيات قبلية وتشكيلات إسلامية إرهابية وجماعات دفاع مجتمعي.
ويخدم هذا العدد الضخم منطق “فرّق تسد” بامتياز، فكل مجموعة صغيرة يسهل ضبط ولائها، وكل تجمع كبير يتعرض للتفتيت قبل أن يستقل.
تعكس تجربة دارفور وكردفان نتائج هذه السياسة، فقد أصبحت قوى أُنشئت باسم حماية المجتمع سلطة فوق المجتمع نفسه، وتعمقت الانقسامات بين المكونات المتجاورة، وصار جمع السلاح داخل مؤسسة وطنية واحدة أصعب مع كل جولة قتال.
الاستخبارات وإرث اليوم
أنهى سقوط نظام الإنقاذ عام 2019 رأس النظام وبعض الواجهات القديمة وبقيت البنية الأمنية التي تعمل خلفها، كما هي. وتُوصف القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية الإرهابية على نطاق واسع بأنها تشكل أساس المعسكر الداعم للجيش في الحرب الحالية، وحضورها في المفاصل الأمنية يمنحها القدرة على استقطاب المنشقين وتنظيمهم وتوجيههم.
وتشير الاتهامات المتبادلة بين قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع، حيث اتهم كل منهما الآخر بتجنيد إسلاميين في صفوفه، إلى أن الشبكة القديمة توزعت على طرفي الحرب.
تستند مساءلة الحركة الإسلامية الإرهابية إلى وقائع موثقة، تشمل قوانين الدفاع الشعبي، ومشاركة ضباط الاستخبارات في تأسيس حرس الحدود، واستخدام المليشيات المحلية في الحروب الطرفية وموازنة مراكز القوة داخل القطاع الأمني.
ويبرر هذا الإرث مساءلة القوى المرتبطة به كلما ظهرت أدواته في مشروع جديد، مع الإقرار بأن نسبة كل تفصيل في الحرب إلى جهة بعينها تتطلب تحقيقات مفصلة في كل حالة، لضمان عدم الإفلات من العقاب الحتمي.
أسئلة “درع الغرب”
تحدث القبة في مؤتمره الصحفي بعد انشقاقه عن استقطاب زعماء القبائل لخدمة مشروع الاستيلاء على الدولة.
وجاء اجتماع إعلان “درع الغرب” بهدف مواصلة العمليات في كردفان ودارفور، وتضمن دعوة لعدم دفع شباب شرق دارفور إلى حرب تخدم أجندات خارجية.
وغني عن القول أن هذه المعطيات تطرح أسئلة مشروعة. ما المرجعية التي ستخضع لها القوة الجديدة؟ من يملك قرارها؟ ما مصيرها بعد الحرب؟ وما ضمانة عدم تحولها إلى تشكيل مستقل يحتاج قوة أخرى لمواجهته؟
إذا جمع المشروع المنشقين في تشكيل بهوية جهوية يحتفظ فيه القادة بشبكاتهم وولاءاتهم المحلية، فإنه يستنسخ النموذج القديم بكل عناصره، وقع الحافر بالحافر.
مما لاشك فيه أن القبيلة مكوّن اجتماعي من الأهل والجيران والأسواق والعلاقات المتوارثة، والغرب والشرق والشمال والوسط والجنوب أقاليم وطن واحد.
يبدأ كسر حلقة التشكيلات المسلحة القبلية ببناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة تحت قيادة وقانون واحد، وإنهاء التجنيد القائم على الولاءات القبلية والجهوية، ووضع عملية وطنية واضحة لدمج المقاتلين وتسريحهم.
وتبقى الرسالة الأهم موجهة إلى أبناء القبائل في كل أنحاء السودان، وهي رفض تحويل قبائلهم إلى جيوش، وحماية أبنائهم من التجنيد في صراعات السلطة والنفوذ.
القبيلة ملك لمجتمعها وتاريخها، وحين تحافظ على تماسكها الاجتماعي وترفض تسليح هويتها، يصبح الدفاع عن وحدة السودان أقوى من أي مشروع لتفكيكه.

زر الذهاب إلى الأعلى