الأعمدة

شركة “ديب ميتالز”: صراع الذهب والنفوذ والدم على الحدود السودانية المصرية

أسامة كنينة
اخبروا مبارك اردول أن استغلال النفوذ وتسريب معلومات الدولة الي شركات خاصة ودول أجنبية جريمة خيانة عظمي عقوبتها الاعدام وليست مجرد لصوصية مال ومعلومات
تحولت شركة ديب ميتالز (Deep Metals) للتعدين من مشروع استثماري واعد عابر للحدود إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل واللغط في المشهدين السوداني والمصري. يجمع هذا الملف الشائك بين طيات صعوده تقاطعات رأس المال، والنفوذ السياسي والإداري السابق، والواقع الميداني الدامي الذي يشهده الشريط الحدودي بين البلدين .
أولاً: خريطة الشركاء.. تحالف المال والنفوذ
تأسست هيكلية الشركة بناءً على شراكة إستراتيجية مثيرة للانتباه، وزعت الحصص والنفوذ بين أقطاب اقتصادية وسياسية بارزة:
• محمد جمال الجارحي (رأس المال المصري): نائب رئيس مجموعة الجارحي للصلب وعضو البرلمان المصري، ويمتلك الحصة الأكبر بنسبة 47.5%.
• مبارك أردول (النفوذ الإداري والسياسي): المدير العام ويقول البعض إنه ملك حصص في الشركة بينما ينفي هو ذلك . ويكمن اللغط حوله في كونه المدير السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية (المنظم الحكومي الأول للقطاع)، مما أثار اتهامات عنيفة بتضارب المصالح واستغلال المعلومات السيادية لتسهيل صفقات وتقديم معلومات سيادية تخص الأمن الاقتصادي القومي السوداني وقطاع التعدين لشركة خاصة عابرة للحدود فور خروجه من المنصب ، والمفارقة الكبري هنا أن مبارك اردول السياسي يطرح نفسه كمناضل باحث عن حقوق الشعوب المهمشة
• عمر النمير (الثقل التجاري المحلي): رجل الأعمال الراحل ورئيس نادي المريخ السابق، المنحدر من أسرة “الكوارتة” العريقة (نسبة إلى منطقة كورتي التاريخية بشمال السودان) ذات النفوذ التاريخي والاقتصادي الممتد في قطاع الذهب والتعدين، والتي شكلت الجسر المحلي للمشروع.
ثانياً: صفقات الملايين والتوسع الإقليمي
نجح هذا التحالف في إبرام صفقات وتوسعات ضخمة خلال فترة وجيزة في البلدين:
1. صفقة السودان (سبتمبر 2025): توقيع اتفاقية مع وزارة المعادن السودانية لضخ 277.3 مليون دولار، شملت الاستحواذ على 85% من منجم أركيديا، وحقوق التنقيب في 4 ولايات سودانية غنية بالذهب (الشمالية، البحر الأحمر، نهر النيل، والقضارف)، بالإضافة إلى التخطيط لإنشاء مصفاة ومصنع لمعالجة المخلفات.
2. صفقة مصر (يونيو 2026): التوسع داخل السوق المصرية بالاستحواذ على 50% من أسهم شركة “إبداع لمناجم الذهب” للتنقيب في منطقة الأقصر، والإعلان عن تقدم في خطة إنشاء مصفاة ذهب حديثة بالقاهرة.
ثالثاً: الغموض والوفاة المفاجئة
لم تكد الصفقة الاستثمارية تستقر حتى حاصرتها الأزمات؛ حيث أثارت الوفاة المفاجئة للشريك عمر النمير في القاهرة إثر مضاعفات جراحية صدمة كبيرة، وفتحت الباب لسيل من الشائعات والسيناريوهات في الأوساط السودانية نظراً لتوقيتها وحجم النفوذ التاريخي الذي تمثله أسرته “الكوارتة” في هذا القطاع، مما أضفى طابعاً من الغموض حول مصير الشراكة المحلية.
رابعاً: جبل العقيدات.. رماد القصف في النطاق الملتهب
تزامناً مع تلك التطورات، تحولت المناطق الحدودية الوعرة إلى مسرح لتوترات جيوسياسية متصاعدة، عقب سلسلة من الضربات الجوية العنيفة التي استهدفت تجمعات التعدين الأهلي . تركزت هذه الضربات الدقيقة في عمق منطقة “شمال الوادي”، وتحديداً في جبل العقيدات (الذي يُعرف أيضاً بالجبل الأحمر) الواقع في وادي الحمار .
هذا الموقع يُعد أحد أضخم معاقل التعدين التقليدي، وكان يضم آلاف المعدّنين السودانيين الذين يمارسون التنقيب البدائي منذ سنوات . وقد أدى القصف إلى خسائر بشرية ومادية واسعة وموجة نزوح جماعي للعمال البسطاء .
خامساً: اتهام “التطهير الاقتصادي” ضد الرواية البديلة
هنا تشابكت الأبعاد الميدانية بالاستثمارية، لينقسم الشارع والمراقبون إلى روايتين متناقضتين:
• سردية التطهير لصالح الاستثمار: تشير تقارير ميدانية وتحقيقات حقوقية (من بينها تقارير صادرة عن مجموعات مثل “محامو الطوارئ”) إلى أن جبل العقيدات ومناطق شمال الوادي المستهدفة بالقصف تقع داخل النطاق الجغرافي ومربعات الامتياز الممنوحة للشركة . وفتح هذا الرابط الباب لاتهامات مباشرة لجهات عسكرية (مع توجيه أصابع الاتهام للطيران المصري) بتنفيذ ضربات استباقية كـ “تطهير عسكري” للمنطقة وإخلائها بالقوة من المعدنين التقليديين ، تمهيداً لتسليم الأرض “خالية ونظيفة” لشركات القطاع الخاص لتبدأ عملياتها دون معوقات أهلية . وما عزز هذا الظن هو تصريحات مبارك أردول التي دعا فيها المعدنين للانسحاب لتجنيب العلاقات المشتركة الصراعات، مما فُسر شعبياً بأنه غطاء مبطن للعمليات العسكرية .
• الرواية البديلة (الأمن والسيادة): في المقابل، تتبنى أطراف مقربة من إدارة الشركة وروايات رسمية وجهة نظر ترى أن هذا الربط ينطوي على خلط جغرافي وتوظيف سياسي؛ موضحين أن منجم “أركيديا” الأساسي يقع في ولاية نهر النيل بعيداً عن الشريط الحدودي المشتعل. وتؤكد هذه الرواية أن العمليات العسكرية هي حملات سيادية ضد شبكات التهريب والتعدين العشوائي غير المنظم الذي يهدد أمن الحدود واقتصاد الدولتين .
خلاصة المشهد
بين اتهامات التطهير الاقتصادي لخدمة رأس المال العابر للحدود، وبين المبررات الأمنية لضبط الفوضى الحدودية ، يظل الذهب في شمال الوادي محركاً أساسياً للصراع. وسواء كان القصف تمهيداً مباشراً لشركات الامتياز أو عملية أمنية منفصلة ، فإن النتيجة الحتمية هي أن الخريطة الاستثمارية لشركة ديب ميتالز ربما باتت تُرسَم فوق مساحات جغرافية أخلتها الآلة العسكرية من قاطنيها التقليديين، ليبقى مشروع محمد الجارحي والمدير العام مبارك أردول نموذجاً لتحالف السلطة والمال الذي يحيط به الغموض والدم.
—-

زر الذهاب إلى الأعلى