الأعمدة

في حضرة القرآن كُنْ خَيْرَ ابْنَي آدَمَ من هابيل إلى شباب الثورة السودانية واختيار السِّلمية

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 6 يونيو 2026م
📜 قال الله تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۝ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
📖 المائدة: 27-29
🧐 عندما نتدبر هذه الآيات لا نجد قصةً تاريخيةً فحسب، بل نجد قانونًا أخلاقيًا يتكرر في كل زمان ومكان!!
ففي كل عصر يوجد من يحمل عقلية قابيل، ويوجد من يحمل موقف هابيل
أحدهما يرى أن البندقية هي الطريق إلى الحل
والآخر يرى أن الدم لا يعالج الدم، وأن الظلم لا يُداوى بظلمٍ مثله
أحدهما يهدد بالقتل
والآخر يرفض أن يشارك في الجريمة ولو كان هو الضحية نفسها
📚 قال الإمام الطبري إن هابيل امتنع عن قتل أخيه خوفًا من الله
📚 وقال ابن كثير إن امتناع هابيل عن مقاتلة أخيه لم تكن ضعفًا ولا عجزًا، وإنما كان رفضًا لأن يكون شريكًا في العدوان
📚 وقال القرطبي والرازي إن قوله:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾
ليس دعاءً على أخيه، وإنما تحذيرٌ له من العاقبة التي اختارها بنفسه
🧐🫵 ومن هنا ..
نفهم أن البطولة في ميزان القرآن ليست في العنف والقتل..
بل البطولة الحقيقية هي في السلمية وفي رفض العنف والقتل خاصة حين يصبح العنف والقتل أداةٍ للفتنة والاقتتال بين الإخوة.
🛑 ولعله لأجل هذا السبب الحكيم النبيل قد اختار شباب الثورة السودانية السِّلمية طريقًا لهم..
لم يختاروا السلمية لأنهم أضعف من خصومهم من جماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني..
او لأنهم يجهلون معنى القوة
🧐🫵بل لأنهم كانوا يؤمنون أن بناء الوطن لا يكون بإراقة دماء أبنائه..
وأن البندقية قد تُسقط خصمًا لكنها لن تبني دولة السلام و الحرية والعدالة.
ومن المفارقات المؤلمة أن جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية قد رفعت عبر العقود شعارات بأن إقامة دولة الإسلام لن تكون إلا عبر إراقة الدماء ، فصار شعارهم:
فلترق منهم دماء او ترق منا الدماء او ترق كل الدماء ‼️
فقاموا بإرتكاب مجزرة فض اعتصام القيادة العامة للجيش في الخرطوم..
ثم أشعلوا الحرب في 15 أبريل 2023 ، فأنتهى الأمر بالسودان إلى واحدةٍ من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ العالم الحديث..
ملايين النازحين
وملايين اللاجئين
ومدنٌ مدمرة
وأسرٌ مشتتة
واقتصادٌ منهار
وأنهارٌ من الدماء والدموع
🧐🤔فأيُّ الفريقين كان أقرب إلى هدي هابيل؟!
الذي دعا إلى السِّلم ورفض سفك الدماء؟!
أم الذي رأى أن البندقية هي الحل لكل خلاف سياسي؟!
وقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال:
«إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»
ولما سُئل عن المقتول قال:
«إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»
وروى الترمذي أن النبي ﷺ قال:
«كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ»
وهو توجيهٌ نبويٌّ عظيم عند اشتعال الفتن واختلاط الحق بالباطل
🧐 ولذلك فإن كثيرًا ممن اعتزلوا هذه الحرب، ورفضوا المشاركة فيها، واختاروا النزوح أو اللجوء أو الهجرة على أن يحملوا السلاح في وجه أبناء وطنهم، يمكن النظر إلى موقفهم بوصفه أقرب إلى موقف هابيل من موقف قابيل..
لقد خسروا بيوتهم
وخسروا أموالهم
وخسروا استقرارهم
لكنهم لم يلطخوا أيديهم بدماء السودانيين
ولم يشاركوا في طاحونة الموت التي التهمت البلاد
🟢:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ…﴾
🧐هابيل وقابيل ، إنها ليست مجرد قصة تأريخية…
بل هي قصة تتكرر كلما اشتعلت الفتن..
قابيل يقول: لَأَقْتُلَنَّكَ
وهابيل يقول: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ
وعندها ينقسم الناس… إلى فريقين لا ثالث لهما..
🛑 في السودان…
تكررت قصة هابيل وقابيل ، ولكن بأسماء و وجوه جديدة.
تكررت بين جماعاتٌ مسلحة…
ومراكز قوةٍ عسكرية…
وتياراتٌ سياسية إنتهازية رفعت شعار الدين والسيطرة…
ثم انتهى بهم الأمر إلى لغة واحدة: السلاح أولًا.
حتى سمعنا منطق الطغيان والإستبداد والإستكبار يصرخ متبجحاً في صورة شخص إسمه أنس عمر :
من أشدّ منَّا قوةً في أرض السودان؟!👿✊
يا للهول ..
أليس هذا هو ذات منطق قوم عاد !!
“فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ”
🫵هذه هي الدراما السوداء عن الطغيان والإستبداد والإستكبار التي تعيد صياغتها علي ارض السودان جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية وشركائها من جماعة مايسمي بالتيار الإسلامي العريض ‼️
ولكن… الصورة في السودان ليست سوداء بالكامل..
🧭 فلا زالت هناك أولي بقية من قوى مدنية وسياسية وطنية شريفة،
في مقدمتها قوى “صمود” برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، ورفاقه الشجعان الشرفاء خالد سلك وبابكر فيصل ورفاقهم،
هؤلاء هم الذين تمسكوا حقاً بمبادئ ثورة ديسمبر: السلمية، وبناء الدولة، ورفض العنف..
🧐 هؤلاء لم يختاروا السلاح… رغم أن السلاح إختارهم خصوماً له.
تعرضوا للإستهداف…
للإغتيال السياسي…
بل لمحاولات تصفية جسدية موثقة…
ومنها ما وصل إلى قصف استهدف الدكتور حمدوك أثناء فترة رئاسته.
وفي مشهد آخر أثناء بداية الحرب…تمَّ إستهداف خالد سلك بصاروخ أثناء وجوده في بيت احد أعضاء مجلس السيادة…
ثم لاحقًا توالت ضدهم حملات الملاحقة والبلاغات الكيدية وأوامر القبض..
هؤلاء الشرفاء الوطنيون غدر بهم قادة الجيش وقادة الدعم السريع فنفذوا ضدهم انقلاب كامل عليهم وعلي الحكومة الانتقالية..
🧐🫵 ومع ذلك…
لم يتحول هؤلاء الشرفاء الوطنيون إلى دعاة حرب ضد الجيش وضد الدعم السريع..
لم يدعوا إلى الانتقام..
لم يركبوا موجة الدم..
بل ظل خطابهم واحداً منذ إندلاع الحرب وهو :
وقف الحرب…
وإيقاف الانهيار…
وجمع الفرقاء على طاولة صلح لا على فوهة بندقية.
🤔🤨 أيُّ أخلاقٍ هذه التي تُحاصر بالنار ولا تتحول إلى نار؟!
🫵هنا ..
تتجلى المفارقة القاسية:
من يرفع البندقية بإسم حفظ الوطن والعرض … يوسّع دائرة الدم..
ومن يُستهدف بالسلاح… يُصر على إطفاء النار..
🫵أحدهما يكرر منطق قابيل..
🫵والآخر يقترب من معنى هابيل… في كفّ الأذى لا في إشعال الفتنة.
إن السودان اليوم لا ينقسم فقط بين جيشٍ ودعمٍ سريع،
بل بين منطقين متناقضين جذريًا:
منطق يرى أن القوة تُنتج الحق، ولو سالت الدماء
ومنطق يرى أن الحق لا يولد من فوهة البندقية مهما كانت الشعارات
وفي قلب هذا المشهد، يبرز هؤلاء المدنيون الذين صمدوا رغم الاستهداف،
تمسكوا بالسلمية رغم التهديد،
ودعوا إلى وقف الحرب وحفظ ارواح جنود الجيش والدعم السريع رغم أنهم اول ضحايا قادة الجيش وقادة الدعم السريع.
هؤلاء المدنيون الشرفاء الوطنيون الشجعان— في ميزان الحقّ — ليسوا على هامش التأريخ…
بل هم في صميم المعركة الأخلاقية الكبرى: معركة الدم ضد العقل، ومعركة الفتنة ضد بقاء الوطن.
📖 ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
هذه ليست كلمات هابيل وحده..
بل هي رسالةٌ خالدة لكل إنسانٍ يرفض أن يكون وقودًا للفتن
ولكل من آثر أن يحمل حقيبة النزوح على أن يحمل بندقية الحرب
ولكل من اختار أن يكون مظلومًا على أن يكون ظالمًا
ولكل من رفض أن يشارك في سفك الدم السوداني مهما كانت الشعارات والمبررات
ففي زمن الفتنة قد لا يكون السؤال:
من الأقوى؟!
بل:
من الأقرب إلى أخلاق هابيل؟!
ومن الأقرب إلى وصية النبي ﷺ:
«كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ»؟!
📜 الخاتمة
إن أخطر ما في الفتن ليس السلاح… بل “تزيين حمل السلاح”.
وأخطر ما في الخطاب السياسي حين يلبس ثوب الدين… أنه يقتل مرتين:
يقتل الجسد أولًا، ثم يقتل الحقيقة ثانياً.
في ميزان القرآن، لا تُقاس المواقف بمن ربح المعركة علي الأرض…
بل بمن نجا من سفك الدم الحرام.
🫵من إختار منطق القوة المطلقة… فقد اقترب من طريق قابيل ولو رفع ألف شعار ديني او وطني .
🫵ومن اختار كفّ اليد عن سفك الدم الحرام… فقد إقترب من روح هابيل ولو خسر الدنيا كلها.
🫵تلك هي الحقيقة المجردة التي لن تصفق لها الأيدي التي تحمل البندقية وتتزرع بالوطنية وبالكرامة….
#في_حضرة_القرآن #كن_خير_ابني_آدم #السلمية #السودان

زر الذهاب إلى الأعلى