الأعمدة

كيف أصبح شعبٌ نصفه لاجئون ونازحون وفقراء… ثم إنقسم بين من يمجد الجيش ومن يمجد الدعم السريع؟!

.✍️ محمد الفاتح حضرة
🤨 كلما رأيت دعوات تمجيد قادة الجيش والاحتفاء بهم وتقديمهم كأبطال وطنيين، أجد نفسي أمام سؤال بسيط جدًا:
على ماذا يكون التكريم أصلًا؟!
هل يُكرَّم الناس على الشعارات؟!
أم على النتائج؟!
وهل تُقاس المؤسسات بما تقوله عن نفسها أم بما أنجزته على أرض الواقع؟!
دعونا ننظر إلى الوقائع فقط…
منذ الإطاحة بنظام الإنقاذ في أبريل 2019، ثم إنقلاب العسكر على الحكومة الانتقالية، ثم إندلاع هذه الحرب الكارثية…
ماذا كانت النتيجة؟!
🛑 ملايين السودانيين أصبحوا لاجئين خارج بلادهم
🛑 ملايين آخرون أصبحوا نازحين داخل بلادهم
🛑 وفق تقارير دولية وأممية، اتسعت دائرة الفقر بصورة غير مسبوقة حتى شملت نسبة هائلة من السكان
🛑 إنهارت العملة الوطنية
🛑 تدمرت المدارس والجامعات
🛑 تدمرت المستشفيات والمراكز الصحية
🛑 إنهارت خدمات الكهرباء والمياه في مناطق واسعة
🛑 ضاعت ممتلكات ومدخرات ملايين المواطنين
🛑 وتحولت مدن كاملة إلى أنقاض وخراب
🤔 هذه ليست نتائج زلزال!!
وليست نتائج فيضان!!
وليست كارثة طبيعية نزلت من السماء!!
هذه نتائج مباشرة لصراع على السلطة بين حملة السلاح الذين كانوا يملكون القوة والقرار في الدولة.
فإذا كانت هذه هي الحصيلة…
فأين موضع التكريم بالضبط؟!
هل يُكرَّم القائد لأن شعبه أصبح لاجئًا ونازحاً وفقيراً؟!
هل يُكرَّم لأن الخدمات الأساسية إنهارت؟!
هل يُكرَّم لأن الاقتصاد دُمر؟!
هل يُكرَّم لأن البلاد أصبحت مهددة بالإنقسام والتشظي ووجود أكثر من سلطة وأكثر من مركز قرار؟!
🧐 ثم إن السؤال الأكثر أهمية:
ما هو الواجب الدستوري والقانوني للجيش أصلًا؟!
أليس حماية الوطن؟!
أليس حماية المدنيين؟!
أليس حماية الأموال والأعراض والممتلكات العامة والخاصة؟!
أليس حماية النظام الدستوري الذي أقسم على حمايته؟!
فإذا كان ذلك هو الواجب…
فهل تحقق هذا الواجب؟!
أم أن المواطن السوداني فقد الأمن والمال والمسكن والتعليم والعلاج وحتى حقه في البقاء داخل وطنه؟!
🤨 وبعضهم يقول:
“يجب أن نكرم الجيش لأنه يقاتل الدعم السريع”!!
حسنًا…
بغض النظر عن ان الجيش هو الذي صنع الدعم السريع ،
دعونا نفحص هذا المنطق قليلًا!!
من الذي يقاتل الدعم السريع على الأرض فعلًا؟!
هل هي المؤسسة العسكرية النظامية وحدها؟!
🧐🤔أم أن ساحات القتال قد إمتلأت بالمليشيات والكتائب والحركات المسلحة الدارفورية والجنجويد الجُدد والمستنفرين والمرتزقة و الكيزان والجماعات المسلحة المختلفة؟!
بل إن من أشهر الأسماء المتداولة في هذه الحرب شخصيات كانت في الأصل جزءًا من الدعم السريع أو حليفة له في مراحل سابقة ثم أصبحت تقاتله اليوم مثل أبوعاقلة وميليشا درع السودان.
🤔 فإذا كان مجرد القتال ضد الدعم السريع هو سبب التكريم…
فهل أنتم مستعدون لتكريم كل من يقاتلونه اليوم؟!
هل أنتم مستعدون لتكريم النور القبة؟!
ومحمد بقال سراج؟!
والسافنا؟!
وأبوعاقلة كيكل؟!
إذا كانت الإجابة لا…
فقد سقطت الحجة من أساسها.
أما إذا كانت الإجابة نعم…
فأنتم تعترفون بأن معياركم ليس هو الوطنية ولا الدستور ولا حماية المدنيين، وإنما مجرد الاصطفاف العسكري في هذه اللحظة.
🧐 ثم ماذا عن بقية القوى التي تقاتل تحت راية الجيش؟!
ماذا عن الكتائب والمجموعات العقائدية والتنظيمات السياسية المسلحة التي أصبحت جزءاً من المشهد العسكري؟!
هل هؤلاء يمثلون الجيش فعلًا؟!
هل الجيش أصبح يعتمد علي هذه الميليشيات للقيام بمهام يفترض أنها من صميم واجبات الجيش التي عليها ظلَّ الجيش يتلقي جنوده المرتبات والمخصصات المالية والإمتيازات لعشرات السنوات ؟!
وإذا كان الأمر كذلك…
فلماذا يُنسب الفضل كله إلى قادة الجيش بينما يتحمل الشعب وحده تكلفة الفشل والخراب والدمار؟!
🛑 الحقيقة التي يعلمها الجميع أن السودان قبل انقلاب العسكر لم يكن يعيش هذه الكارثة:-
لم تكن الملايين لاجئة..
ولم تكن الملايين نازحة..
ولم تكن البلاد مدمرة..
ولم تكن الخدمات منهارة..
ولم يكن الاقتصاد بهذا السوء..
ولم يكن المواطن السوداني يطارد الأمن والغذاء والدواء والمأوى في أصقاع الأرض..
لكن بعد الانقلاب ثم الحرب…
أصبح هذا هو واقع السودان.
🤨 لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا لا نحتفي بالعسكر؟!
🫵بل السؤال هو:
ما الذي أنجزه قادة الجيش منذ عام 2019 وحتى اليوم حتى يطلبوا من الشعب
الاحتفاء بهم أصلًا؟!
الناس تحتفي بمن يحمي أوطانها…
لا بمن تتحول أوطانها في عهده وعلي يديه إلى أنقاض!!
الناس تكرم من يصون دماءها وأموالها وأعراضها…
لا من يطلب منها أن تنسى النتائج وتنشغل بالشعارات والبيانات والخطب الحماسية!!
🫵 كل العسكر الانقلابيين وشركائهم وأنصارهم يعلمون هذه الحقائق…
لكنهم لا يريدون للشعب أن يسأل السؤال الذي يخشونه:
من الذي أوصل السودان إلى هذا المصير؟! 🧐🤔
ذلك سؤال لا تجيب عنه الشعارات…
ولا تخفيه الاحتفالات…
ولا تمحوه البيانات العسكرية…
لأن الوقائع على الأرض أبلغ من كل الخطب والكلمات..
لكن دعونا نترك قاعات الاحتفالات وخطب التمجيد قليلًا…
ونذهب إلى حيث الحقيقة..
اذهبوا إلى مخيمات اللجوء في إثيوبيا…
اذهبوا إلى تشاد…
اذهبوا إلى أوغندا…
اذهبوا إلى كينيا…
اذهبوا إلى ليبيا…
اذهبوا إلى مصر…
وانظروا إلى آلاف الأسر السودانية التي كانت تملك بيوتًا وأعمالًا ومدارس وحياةً مستقرة، فأصبحت تحمل ما خف وزنه من متاع الدنيا، وتهرب بأطفالها عبر الصحارى والحدود طلبًا للأمان.
🤔 اسألوا الأم التي ولدت طفلها في خيمة لجوء…
واسألوا الأب الذي فقد منزله ومصدر رزقه ومستقبل أبنائه…
واسألوا الطفل الذي انقطعت سنوات تعليمه بسبب الحرب…
واسألوا الشيوخ الذين ماتوا حسرةً بعيدًا عن ديارهم…
من الذي أوصلهم إلى هذا المصير؟!
هل فعلت ذلك الفيضانات؟!
هل فعلته الزلازل؟!
أم فعلته الحرب التي أشعلها طرفا المؤسسة العسكرية السودانية: القوات المسلحة وقوات الدعم السريع؟!
🧐 ثم تأملوا هذه المفارقة المؤلمة…
في غرب السودان تجد من يمجد الدعم السريع ويهتف لقادته..
وفي شمال السودان تجد من يمجد الجيش ويهتف لقادته..
أما الضحية الحقيقية في الجانبين فهو المواطن السوداني البسيط الذي خسر وطنه وأمنه ومستقبله.
والأعجب من ذلك أن قادة الطرفين يظهرون أمام أنصارهم في ثياب المنتصرين والأبطال…
هذا يحتفل بانتصار هنا…
وذاك يحتفل بانتصار هناك…
وكأن السودان لم يتحول إلى أكبر مأساة إنسانية في تاريخه الحديث!!
🤨 وهنا تقفز إلى الذهن هذه الآية العظيمة:
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[آل عمران: 188]
وقد ذكر المفسرون أن للآية سبب نزول معروف، لكن العبرة عند أهل العلم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فهي ليست حبيسة حادثة تاريخية مضت…
بل هي مبدأ قرآني خالد يتجاوز الزمان والمكان..
هي آية تشمل كل من يفرح بما صنع من أذى أو تقصير…
وكل من يحب أن يُمدح على ما لم ينجزه…
وكل من يسعى إلى صناعة أمجاد وهمية فوق أنقاض الحقيقة.
عندما ينظر الإنسان إلى واقع السودان اليوم، ثم يشاهد مشاهد الاحتفاء والتمجيد وصناعة البطولات حول قادة الحرب من هذا الطرف أو ذاك، يجد نفسه مضطراً إلى التأمل طويلًا في هذه الآية..
لكن ..هذا السؤال الأخير ربما يكون هو الأهم كله…
🧐🤔هل المشكلة في قادة الجيش وقادة الدعم السريع وحدهم؟!
أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟!
هل العلة في القادة فقط؟!
أم في المقاييس التي أصبح كثير من السودانيين يقيسون بها الرجال والأحداث؟!
🤔 ما الذي أصاب شعباً يرى الملايين من أبنائه بين نازح ولاجئ وفقير ومشرد، ثم ينقسم مع ذلك إلى جماهير تهتف لهذا القائد أو ذاك؟!
ما الذي أصاب مجتمعاً أصبح بعض أفراده يقيسون البطولة بعدد البنادق لا بعدد الأرواح التي حُفظت، ويقيسون الوطنية بعدد المعارك لا بعدد الأوطان التي صانتها تلك المعارك؟!
لعل أزمة السودان ليست فقط أزمة جنرالات…
وليس فقط أزمة مليشيات…
وليس فقط أزمة سلطة…
🧐🫵بل هي في الأصل أزمة معايير إختلطت فيها الوطنية بالعصبية، وإختلطت فيها البطولة بالقوة المجردة، وأختلط فيها التصفيق للحرب بمصلحة الوطن.
وحين تختل المعايير…
يصبح الخراب إنجازًا…
ويصبح الفشل بطولة…
ويصبح ضحايا الحرب مجرد أرقام…
ويصبح صُنَّاع المأساة أبطالًا يُطلب من الناس أن يحتفوا بهم ✊!!
#السودان
#لا_للحرب
#الدولة_المدنية
#ثورة_ديسمبر

زر الذهاب إلى الأعلى