
*كتب عثمان الغتنيني*
بعض المطبوعات تمر كسحابة صيف، وبعضها تحفر اسمها في ذاكرة الأجيال. ومجلة “الصقر” في عهد الأستاذ سعد الرميحي كانت من النوع الثاني. كان لها رونق خاص، هيبة لا تشبه أحداً، ورائحة حبر إذا شممتها عرفت أنك أمام شيء مختلف. لم تكن مجلة رياضية فقط، كانت مؤسسة صحفية متكاملة، جامعة للمهنية، ومدرسة للصبر على المعلومة، ومنبراً للتحليل الذي يُدرَّس.
كنا ننتظرها كل أسبوع كما ننتظر عيداً. نفتح الصفحات الملونة فتفتح لنا الدنيا. صورها وثائق، تقاريرها مراجع، وحواراتها كنوز. جيل كامل من القراء والصحفيين تربى على يد “الصقر”، وتعلم منها أن الخبر مقدس، وأن الصورة يجب أن تحكي قصة، وأن احترام عقل القارئ خط أحمر. لذلك عندما جاء التوقف القسري عام 1986، لم يكن إغلاق مجلة. كان فاجعة. صدمة عمّت كل بيت عربي يعشق الرياضة. أذكر وجوه المراسلين، كبارهم وصغارهم، وهم لا يصدقون أن المدرسة التي تخرجوا منها أغلقت أبوابها. كان عنوان “وداعاً يا صقر” نعياً رسمياً للزمن الجميل، وكأن جزءاً من أعمارنا توقف مع توقف مطابعها.
وعندما عادت “الصقر” عام 2001، استبشرنا وفرحنا، وهلّلنا للعودة. عاد الاسم، وعادت بعض الأقلام المخضرمة التي سطرت المجد، وأضيف إليها دماء جديدة من الكتاب الشباب المتحمسين. لكن، ولنكن صرحاء مع التاريخ، لم تكن العودة بتلك الحلة التي عرفناها. كان الاسم هو نفسه، والشعار هو نفسه، لكن الرونق الخاص الذي صنعه الأستاذ سعد الرميحي كان له سر لا يتكرر. ذلك الخليط من الصرامة المهنية، والذوق الرفيع في الإخراج، والقدرة على جمع أفضل الكتاب العرب تحت سقف واحد، كان معادلة خاصة بزمانها ورجالها.
العودة كانت محترمة، ومحاولة صادقة، لكن عبق البدايات كان شيئاً آخر. ربما لأن الزمن تغير، وربما لأن “الصقر” في الثمانينات لم تكن تنافس مجلة، بل كانت تنافس نفسها فقط. كانت هي السقف الذي يطمح الجميع للوصول إليه.
اليوم ونحن نرى محاولات جديدة لإحياء هذا الإرث، يجب أن نتذكر أن “الصقر” في عهد الرميحي لم تكن مجرد أوراق وحبر. كانت روحاً، والروح إذا غابت، يصعب استنساخها. لكنها تظل ملهمة لكل من يحاول التحليق من جديد. رحم الله ذلك الزمن، ورحم رونقاً كان اسمه “الصقر”.



