اختتم فعالياته ورفع توصياته ومقرراته،، ملتقى جنوب دارفور،، تفكير جمعي لبناء الإقليم..
رفض الهيمنة والوصاية الأجنبية التي حوَّلت الإقليم إلى ساحة صراع ونفوذ..
أهمية دور أبناء الولاية في صياغة مستقبلهم، بعيداً عن أجندة السلاح والميليشيات..
رفض أي دعم خارجي للمليشيات أو المشاريع التي تهدد وحدة السودان..
مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف مع خيارات الشعب لا مع الميليشيا المتمردة..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
اختتمت بمدينة بورتسودان أعمال الملتقى التفاكري لأبناء ولاية جنوب دارفور الذي انعقد برعاية نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار إير، وبإشراف مباشر من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة ووزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية وحكومة ولاية جنوب دارفور، وبشراكة تنظيمية فاعلة مع مركز (التَّمَدَة) للخدمات الصحفية، ومركز دراسات السلام بجامعة نيالا، ورابطة صحافيي وإعلاميي كردفان ودارفور، والاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وذلك تحت شعار
“مستقبل إقليم دارفور في ظل المطامع الإقليمية والدولية”، وحظي الملتقى بحضور رسمي وشعبي واسع، شكّل منصة وطنية نادرة للحوار في ظل حرب معقدة فجّرتها ميليشيا الدعم السريع في منتصف أبريل 2023م، وما تبعها من فوضى واعتداءات واحتلال لعدد من ولايات الإقليم.
حساسية توقيت الملتقى:

وجاء انعقاد الملتقى في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع استمرار الحرب وتزايد التعقيدات السياسية والأمنية في دارفور، ونجحت اللجنة المنظمة رغم هذه التحديات في استقطاب نحو 200 مشارك، بينهم 71 مشاركاً من خارج ولاية البحر الأحمر و8 من خارج السودان، و 40 مشاركاً من مختلف ولايات السودان، إلى جانب قيادات تنفيذية ومجتمعية، وممثلين للجامعات والمراكز البحثية والتحالفات الإعلامية، وأضفت هذه التركيبة على جلسات الملتقى طابعاً وطنياً خالصاً عكس وحدة أبناء جنوب دارفور رغم ظروف الحرب والنزوح والتهجير، ورغبتهم في استعادة زمام المبادرة، وتقديم رؤية لأهل الإقليم حول مستقبل دارفور في ظل صراع المصالح الإقليمية والدولية، وتميزت جلسات الملتقى بنقاشات معمقة تناولت محاور سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، حيث قُدمت أوراق عمل بحثية وحلقات نقاش تفاعلية، إضافة إلى مادة وثائقية تناولت الوضع الراهن في جنوب دارفور وتحدياته التاريخية والاقتصادية والأمنية.
استراتيجية جنوب دارفور:

وتمثل ولاية جنوب دارفور واحدة من أهم وأكبر ولايات السودان، إذ تأتي ثانياً بعد الخرطوم من حيث التعداد السكاني، ما يجعلها ثقلاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في معادلة الوطن، وتُعد دارفور الجنوب من أكثر المناطق السودانية ثراءً في الموارد، إذ تمتلك إمكانات زراعية ضخمة، وواحدة من أكبر الثروات الحيوانية بالبلاد، فضلاً عن احتياطات معتبرة من الذهب والمعادن، وتتسم المنطقة بموقع حدودي استراتيجي يجعلها حلقة وصل بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وهو موقع كان يمكن أن يُوظف لصالح تعزيز التجارة الإقليمية والتكامل الاقتصادي، لولا أن الحرب فرضت واقعاً مغايراً، ومع اندلاع الحرب في 2023م، كانت جنوب دارفور من أوائل الولايات التي وقعت تحت سيطرة ميليشيا الدعم السريع، والتي اتخذت من نيالا مشروعاً لعاصمة “الدولة الموازية” ضمن مخطط تحالف التأسيس، كما تحوِّل مطار نيالا الدولي إلى منصة رئيسة للطيران الإماراتي الذي كان يمد الميليشيا بالعتاد والأسلحة والآليات، بينما تغادر طائراته محملة بموارد السودان، في مشهد يعكس خطورة الأطماع الإقليمية والدولية في الإقليم.
أهمية الملتقى:

ويأتي انعقاد الملتقى التفاكري لجنوب دارفور في ظل ظروف أمنية وسياسية معقدة، ليعبر عن رسالة قوية من أبناء المنطقة إلى الداخل والخارج مفادها أن جنوب دارفور ، رغم الحرب والدمار، ما تزال قادرة على التفكير الجماعي وصياغة رؤى استراتيجية لمستقبلها، حيث رفض الملتقى الهيمنة والوصاية الإقليمية والدولية التي حوَّلت الإقليم إلى ساحة صراع ونفوذ، وأكد على وحدة أبناء الولاية رغم الشتات وظروف النزوح والتهجير، وهو ما ظهر بوضوح في حجم المشاركة ونوعيتها، كما طرح المؤتمر جنوب دارفور كمركز ثقل سياسي واقتصادي، لا كمنطقة مستباحة أو هامشية، وعزز من الثقة الوطنية بأن دارفور ليست بيئة حاضنة للفوضى، بل قادرة على تقديم مشروع سلام واستقرار، مع التشديد على ضرورة استثمار المنصات الوطنية للتبشير بمخرجات الملتقى، وتصحيح الصورة المشوَّهة التي خلفتها الدعاية السلبية خلال الحرب، وإبراز الإرادة الجمعية لأبناء دارفور الجنوب في صون الوطن ووحدته.
التوصيات والمقررات:
وخلص الملتقى بعد مداولات استمرت ثلاثة أيام إلى مجموعة من التوصيات والمخرجات، أبرزها رفض مزاعم ميليشيا الدعم السريع بالحديث باسم الإقليم أو تمثيله سياسياً، التأكيد على أن الانتهاكات في دارفور تأتي نتيجة مباشرة لممارسات الميليشيا، رفض أي دعم خارجي للمليشيات أو المشاريع التي تهدد وحدة السودان، التمسك بوحدة السودان شعباً وأرضاً، والدعوة لحل سوداني خالص بعيداً عن الأجندات الدولية والمصالح الإقليمية، حماية القوات المسلحة والقوات النظامية باعتبارها صمام الأمان الوطني، ومنع استهدافها أو إضعافها بأي شكل، دعم برامج المصالحات المجتمعية، وترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز أدوار الإدارة الأهلية وتحديث قوانينها، مطالبة المجتمع الدولي بالوقوف مع خيارات الشعب لا مع الميليشيات، تعزيز دور الإعلام الوطني في مكافحة الشائعات والتضليل وخطاب الكراهية، سن تشريعات تجرّم إثارة النعرات القبلية أو استخدام القبيلة كأداة في العمل السياسي، وتبني رؤية سودانية خالصة لحل قضية دارفور بعيداً عن الضغوط الأجنبية والمصالح العابرة، وتعزيز مسارات السلام والاستقرار وفق مقاربة مجتمعية رسمية تتجاوز إرث الصراع.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى الملتقى التفاكري لجنوب دارفور، بمثابة خطوة نوعية في توقيتٍ استثنائي، حيث أعاد الاعتبار لدور أبناء الولاية في صياغة مستقبل إقليمهم بعيداً عن أجندة السلاح والمليشيات، فقد برزت روح الوحدة والوعي بخطورة المرحلة، ما جعل من الملتقى منصة تفكير جمعي لإعادة بناء الإقليم على أسس جديدة، وجاءت المخرجات لتعكس نضجاً سياسياً وتحولاً في الوعي العام، خاصة فيما يتعلق برفض التدويل، والدعوة لصون المؤسسات الوطنية، وتقديم مشروع سلام من داخل أبناء دارفور أنفسهم، فالملتقى، بهذه المفاهيم يمثل إعلانَ إرادة لمستقبل جديد يتجاوز سنوات الاستهداف والتهميش، ويعيد جنوب دارفور إلى موقعها الطبيعي في جسد الوطن.



