الأعمدة

قصة أغنية.. وهل لكل أغنية قصة!

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
كنا في ندوة شعرية قبل أكثر من ربع قرن. كان الشاعر الشفيف تاج السر أبو العائلة على اليمين، وجلست أنا على اليسار، بينما توسطنا، باعتباره كبير الجلسة تجربةً وأوسعنا شهرةً، صديقنا شاعر الفراشات والورود إسحق الحلنقي.
بدأت الأصوات تتوالى بإلحاح من ثنايا صفوف القاعة التي اكتظت بالحضور، مطالبةً الحلنقي بإلقاء كلمات أغنية
«بتتعلم من الأيام»، وهو يبتسم برقته تلك ويعد بالاستجابة. وفجأة انطلق صوت من آخر القاعة، وهتف أحد الظرفاء مخاطباً الحلنقي:
ـ يا أستاذ، بعد كل هذه التجارب الشعرية الثرّة، أما آن للأيام أن تتعلم منك؟
فضجت الصالة بضحك الاستحسان لتلك الطرفة الحلوة والعميقة!
والحقيقة كثيراً ما يطلب بعض الناس من الشاعر أن يحكي قصة أغنية ما. هناك شاعر، لفرط عذوبته، يلبي الطلب ويسرد القصة الحقيقية، وبعضهم قد يلوذ بقصص ربما لا تمت لحقيقة الأغنية بصلة من قريب أو بعيد. ولكن ذلك كله، في رأيي المتواضع، مما ينبغي تجنبه باعتذار لا يجرح السائل، لا سيما فيما يتعلق بالقصص العاطفية ذات الخصوصية أو مناسبات القصائد التي قد تمس أطرافاً أخرى.
بل قد يتسبب الأمر في تحطيم الصورة التي اختزنها الكثيرون في أعماقهم العاشقة لتلك الأغنية، وقد تكون لامست فيهم زمناً طويلاً وتراً ظل يتقطر منه حلو التذكر أو حتى مرّه. فيأتي الشرح بما يخالف إحساسهم، إفساداً لذلك الشعور الذي سيطر عليهم بسحره الأخاذ.
لذا من الأفضل للشاعر أن يترك مساحة الخيال منداحة في دواخل من رسم صورة ما، وظل ولا يزال يتأملها بعيون ماضيه كلما استمع إلى تلك الأغنية.
قرأت لأحد الكتاب قبل مدة اختزالاً مخلاً لا يخلو من السذاجة، وهو يختلق قصة مختلقة حول الظروف التي كتب فيها الحلنقي أغنية «بتتعلم من الأيام». وقد قال لي إسحق، وكنت قريباً منه باعتباره أستاذاً لي وصديق مشوار الغربة، وبغض النظر عن ملابسات قصتها الحقيقية التي نحن في حلٍّ عن ذكرها للاعتبارات أعلاه، إنه كتبها في ربع ساعة من الزمن، انساب لحظتها منسكباً جدول وجدانه دون توقف حتى النقطة الأخيرة.
ولكنها، لقوة مفرداتها المنسجمة مع مضامينها، وتماسك نظمها، وطربية جرسها، قد عاشت خمسين عاماً ظل يتجدد فيها سيل مشاعر الفنان الكبير محمد الأمين من مآقي الذكرى كلما ردد بشجن حنجرته الساحر:
أقابلك وكلي حنية وأخاف من نظرتك ليَّ وأخاف شوق العمر كله يفاجئك يوم في عينيَّ
وراء البسمات كتمت دموع بكيت من غير تحس بيَّ
فالشعر الغنائي يكون أصدقه ما يتولد عن معايشة حقيقية اعتصرت المعين الحسي للشاعر، فسكبه في حقول أزمنة الناس ليسقي بذرة في تربة كل الذين مرت بهم التجارب المشابهة، ولكنهم لا يملكون أدوات التعبير عن ذواتهم، وأهمها الموهبة. فيصبح الشاعر والمغني والملحن هم الناطقين باسم كل أولئك.
ولكن ذلك لا يعني بالضرورة عدم وجود معطيات أخرى تنجم عنها أغنية بذات الصدق الذي يجعلها تلتصق بزمان الناس جيلاً بعد جيل. ولا يتصور أحد أنها كانت من نسج الخيال الواسع للشاعر المجيد، أو أنه استوحاها من محيطه القريب، سواء كانت قصة لإنسان آخر حركت في الشاعر حالة من التقمص، أو من واقع استشرافي رسم به صورة لما يراه بعيون غده، أو استرجع فيها شريطاً من ماضٍ سمع عنه وإن لم يكن حاضراً له.
كما قد يُكلَّف الشاعر بنظم أغنيات يستشفها من سيناريو فيلم، كما نشاهد في الأفلام العربية التي يكون أبطالها مغنين، أو يطلب منه تأليف أغنيات مصاحبة لمسرحية ما.
وهنا تتجلى الاحترافية، أو ما يسمى بشعر الصنعة، التي هي أعلى درجات المقدرة على كتابة الشعر، على غير ما يعتقد البعض من أنها درجة من الإسفاف تجعل من هذا النمط من الشعر، في نظرهم، ضرباً من الحياكة. والحقيقة أن الوصول إلى هذه المرتبة لا يتأتى إلا لمن امتلك أدواته الفنية كاملة، بحيث يستطيع أن يخلق الصدق الفني حتى عندما لا تكون التجربة قد مرت به شخصياً، فيجعل المتلقي يصدقها ويعيشها كأنها جزء من سيرته الذاتية.
اللقطة تجمع بين الصديقين الشاعر الكبير اسحق الحلنقي ومحمد عبد الله برقاوي ..
وكان تاريخها في العام 1983

زر الذهاب إلى الأعلى