
في زمن الحروب تبقى المواقف الإنسانية النبيلة أكثر ما يعلق في الذاكرة، وفي زمن النزوح يصبح من يقف إلى جانب الإنسان جزءاً من حكايته التي لا تنسى، وفي مشهد مؤثر اختصر سنوات من المعاناة والنزوح، اختار أبناء جزيرة توتي أن يكتبوا الفصل الأخير من رحلتهم في القاهرة بلغة الوفاء، فكرموا الصيدلاني المصري الدكتور وحيد يوسف تقديراً لمواقفه الإنسانية النبيلة، مؤكدين أن الحرب قد تسلب الإنسان الكثير، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من السودانيين خلق رد الجميل وحفظ المعروف.
وجاء التكريم قبيل مغادرة عدد من الأسر السودانية العائدة إلى الوطن ضمن برامج العودة الطوعية، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الفرح بالعودة إلى الديار مع مشاعر الامتنان لشخص ظل حاضراً إلى جانبهم في أصعب الظروف التي مرت بهم منذ اندلاع الحرب في السودان.
وعلى مدار أكثر من عامين، عاش السودانيون واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخهم الحديث، حيث أجبرت الحرب الملايين على النزوح واللجوء، وفقدت آلاف الأسر منازلها ومصادر رزقها واستقرارها الاجتماعي، وفي دول اللجوء تحمل كثيرون أعباءً نفسية واقتصادية واجتماعية هائلة، وظلت أخبار الحرب والدمار وفقد الأحبة تطاردهم يومياً وهم يحاولون بناء حياة مؤقتة بعيداً عن وطنهم.
كما واجه السودانيون خلال تلك الفترة تحديات متزايدة تتعلق بالإقامة والتنقل والظروف المعيشية، إلى جانب حملات تنمر وخطابات كراهية على بعض منصات التواصل الاجتماعي أثرت على كثير من الأسر التي كانت تكافح من أجل الحفاظ على كرامتها وتماسكها وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
ورغم كل تلك الجراح والضغوط، أثبت أبناء السودان أن المحن لا تنتزع منهم قيمهم الأصيلة، وأن الحرب مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تمحو ثقافة الوفاء المتجذرة في وجدانهم، لذلك لم يغادر أبناء توتي القاهرة دون أن يتوقفوا عند أصحاب المواقف المشرفة الذين مدوا لهم يد العون حين ضاقت السبل.
وأكد المشاركون في التكريم أن الدكتور وحيد يوسف ظل نموذجاً للأخلاق الرفيعة والإنسانية الصادقة، حيث تعامل مع السودانيين بروح الأخوة والمحبة، وقدم ما استطاع من دعم ومساندة دون تمييز أو انتظار مقابل، الأمر الذي جعله يحظى بمكانة خاصة في قلوب الكثيرين.
ولم يكن التكريم مجرد احتفاء بشخصية مصرية كريمة، بل حمل رسالة أوسع تؤكد عمق العلاقات الشعبية بين الشعبين السوداني والمصري، تلك العلاقات التي ظلت أقوى من الأزمات وأكبر من الظروف السياسية والاقتصادية، وتجلت في مواقف إنسانية كثيرة صنعتها المحبة والجوار والتاريخ المشترك.
وفي لحظة التكريم استعاد الحاضرون حكمة ظل السودانيون يرددونها جيلاً بعد جيل: ( ازرع الجميل أينما كان، فلا يضيع الجميل أينما زُرع)، وهي الحكمة التي تجسدت بكل معانيها في هذا المشهد المؤثر، حيث رد أبناء توتي بعضاً من الدين المعنوي لرجل وقف معهم في زمن الشدة، مؤكدين أن السوداني قد يغادر المكان، لكنه لا يغادر الذكريات الجميلة، ولا ينسى أصحاب الأيادي البيضاء.



