
د. عبد المنعم همت
قاتـ ــل أسامة بن لاد.ن السوفييــ ـت في أفغانستان، وعندما انسحبوا حاول البقاء هناك، لكنه وجد أن الفصائل الأفغانية دخلت في صراعات فيما بينها، ولم تعد البلاد توفر له الأمن والاستقرار. ولم تكن باكستان البيئة التي يستطيع أن يستقر فيها.
جاء السودان في تلك اللحظة كخيار مختلف، كان البلد تحت حكم الحركة الإسلاميـ ــة، وكانت أمامه مساحة واسعة للحركة والعمل والتنظيم والاستثمار. لم يكن وجود بن لادن في السودان مجرد إقامة مؤقتة أو بحث عن مكان آمن، فقد وجد بيئة ساعدته على تطوير تجربته وبناء علاقاته وشبكاته.
في السودان اكتسب خبرة أكبر في العمل التنظيمي وإدارة الشبكات، وتوسع في النشاط الاقتصادي والاستثماري، وبنى علاقات في عدد من الدول الأفريقية، وفي الوقت نفسه حافظ على صلاته بالمقاتليــ ـن والشبكات التي عرفها في أفغانستان.
هذه التجربة ساعدته على الانتقال من التفكير في حـ رب محددة إلى التفكير في مشروع يتجاوز حدود الدولة. السودان وفّر له مساحة للحركة، ووفّر له علاقات وموارد، وأتاح له التواصل مع شخصيات وتيارات مختلفة، وأصبح محطة مهمة في تطور المشروع الذي عرفه العالم لاحقاً باسم تنظيم القاعدة.
لم يكن السودان وحده سبباً في هذا التحول، لكن البيئة السودانية في ذلك الوقت كانت جزءاً مهماً منه. ولهذا فإن تجربة بن لادن في السودان لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حادثة تاريخية انتهت، وإنما باعتبارها تجربة تكشف كيف يمكن لبلد يعيش ظروفاً سياسية وأمنية معينة أن يتحول إلى مساحة لإعادة بناء شبكات تتجاوز حدوده.
تجربة بن لادن في السودان أظهرت كيف يمكن لبلد يعيش ظروفاً سياسية وأمنية مضطربة أن يتحول إلى مساحة لإعادة بناء شبكات عابرة للحدود
اليوم يعيش السودان حرباً مختلفة، لكن بعض عناصر البيئة الخطرة عادت إلى الظهور. هناك انتشار واسع للســ ـلاح، وتراجع قدرة الدولة على السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد، وحركة مستمرة للمقاتليـ ــن، وحدود طويلة مع دول تعاني بدورها من أزمات وصراعات.
والأهم وجود سودانيين شارك بعضهم في حـ روب وصـ راعات خارج البلاد، من العراق إلى ليبيا والصومال وغيرها. هؤلاء ليسوا تنظيماً واحداً، لكن يمكن القول إنهم جميعاً يحملون فكراً متطرفاً، وخبرة قتاليـ ــة وتنظيمية اكتسبوها في بيئات مختلفة، وقد تكون لديهم علاقات وشبكات تتجاوز الحدود.
الحـ رب لا تترك خلفها الســ ـــلاح والدمار فقط، بل تترك أيضاً رجالاً اكتسبوا خبرات في القتــ ـال والتنظيم والاتصال، وعلاقات تشكلت في ساحات مختلفة، وشبكات يمكن أن تستمر حتى بعد انتهاء المعــ ـــارك.
وهنا يصبح السؤال أمنياً أكثر منه سياسياً: ماذا يحدث عندما تتجمع الخبرة القتاليـــ ة مع الفوضى وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الســ ــلاح؟
لا يعني ذلك بالضرورة ظهور تنظيم جديد غداً، ولا يعني أن السودان يتجه حتماً إلى إعادة تجربة التسعينيات. لكن الظروف التي تسمح بظهور جماعات عابرة للحدود تستحق أن تؤخذ بجدية.
اليوم مع انتشار الســ ــلاح وضعف الدولة قد تتكرر الظروف نفسها مما يتيح لمقاتليــ ـن وأفكار متطـ رفة فرصة التفاعل وتشكيل بيئة خطرة جديدة
الخطـ ر لا يبدأ دائماً عندما يظهر التنظيم ويرفع رايته. أحياناً يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تتكون العلاقات، وتتجمع الخبرات، وتظهر مساحات لا تستطيع الدولة السيطرة عليها، ويجد أصحاب الأفكار المتطـ رفة فرصة للعمل والحركة. وهذا ما يجعل تجربة بن لادن في السودان مهمة اليوم.
لم يصل بن لاد.ن إلى السودان وهو يقود المشروع العالمــ ـي الذي عرفه الناس بعد ذلك. جاء بخبرة أفغانية، وعلاقات واسعة، وطموح يتجاوز حدود بلده، ثم وجد في السودان بيئة ساعدته على تطوير هذه العناصر وربطها ببعضها.
اليوم توجد عناصر أخرى، لكنها يمكن أن تتفاعل بالطريقة نفسها إذا استمرت الحـ رب وضعفت الدولة واتسعت المساحات الخارجة عن السيطرة.
قد لا يكون القادم هو القاعــ ـدة، وقد لا يكون داعـ ش، وقد لا يحمل أي اسم نعرفه اليوم. التنظيمات تتغير، لكن الفكرة الأخطـ ر هي أن تتشكل في السودان مرة أخرى بيئة تستقبل مقاتليــ ـن وشبكات وأفكاراً عابرة للحدود.



