الأعمدة

حين تصبح البندقية مصدر الرزق.. ماذا سيبقى من أخلاق المجتمع؟!!

تشريح الانهيار الأخلاقي في السودان من منظور القرآن والتاريخ وعلم الاجتماع

✍️ محمد الفاتح حضرة
🤔 كثيراً ما ينشغل الناس هذه الايام بالحديث عن إنهيار الإقتصاد..
أو إنهيار الدولة..
أو إنهيار المؤسسات..
🫵لكن أخطر أنواع الانهيار على الإطلاق هو الانهيار الأخلاقي.
فالاقتصاد يمكن إعادة بنائه..
والمدن يمكن إعمارها من جديد..
والجسور والطرق والمطارات يمكن تشييدها مرة أخرى..
أما إذا انهارت الأخلاق فإن المجتمع نفسه هنا سيصبح مهدداً بالزوال ‼️💢
🧐 ولهذا لم يكن غريباً أن يربط القرآن بين فساد المجتمعات وبين مصيرها.
📖 قال الله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
سورة الروم: 41
🛑 علماء الاجتماع يسمون ما نعيشه اليوم:
التفكك الاجتماعي الشامل.
وهو مرض يصيب المجتمعات عندما تنهار سلطة القانون وتضعف مؤسسات الدولة وتختفي مصادر الرزق المشروعة وتتحول القوة المسلحة إلى الطريق الأسرع للثروة والنفوذ.
وهذا بالضبط ما حدث في السودان.
🤨 فقبل الحرب كان الناس يعيشون من الزراعة والتجارة والصناعة والوظائف والأعمال الحرة.
أما اليوم..
ففي مناطق واسعة من السودان أصبحت البندقية هي أقصر طريق إلى المال.
إما أن تنضم إلى أحد أطراف الحرب..
أو إلى حركة مسلحة..
أو إلى مليشيا..
أو إلى مجموعة تحمل السلاح تحت أي لافتة كانت.
😔 وحين تصبح البندقية مصدراً للرزق..
فإن الأخلاق تكون أول الضحايا.
📖 قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
سورة القصص: 77
🛑 ولكن سيكون من الظلم أن نحصر الحديث عن الانهيار الأخلاقي في صغار اللصوص والمجرمين فقط.
🤨 فبينما كان ملايين السودانيين يفرون من القصف والجوع والنزوح واللجوء..
كانت هناك فئة أخرى تحقق أكبر أرباحها في تاريخ السودان.
إنهم تجار الحروب.
أولئك الذين لا يحملون البنادق بالضرورة..
لكنهم يعيشون عليها ويتغذون من نارها.
😡 المضاربون بالعملات.
😡 مهربو الذهب.
😡 مهربو السلع.
😡 تجار السلاح.
😡 تجار المخدرات.
😡 المحتكرون والمتاجرون بأقوات الناس.
😡 شبكات الفساد المرتبطة باستيراد الوقود والدواء والسلع الاستراتيجية.
🧐 هؤلاء لا يقفون في الخنادق غالباً..
لكنهم من أكبر المستفيدين من استمرار الحرب.
فكلما ازداد عدد القتلى..
ازدادت أرباحهم.
وكلما ارتفع سعر الدولار..
ازدادت ثرواتهم.
وكلما اتسعت دائرة الجوع..
ازداد نفوذهم.
📖 قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
سورة هود: 85
وقال رسول الله ﷺ:
«من احتكر فهو خاطئ»
رواه مسلم.
🤔 وهل هناك سقوط أخلاقي أكبر من أن تتحول دماء الناس وآلامهم إلى مشروع إستثماري مربح؟!!
🛑 ومن أخطر مظاهر الانهيار التي كشفتها الحرب..
هو ذلك الذي جرى داخل الأحياء السكنية نفسها.
😔 بيوت نزح أصحابها هرباً من الموت..
فعادوا ليجدوا أبوابها مكسورة.
وأثاثها منهوباً..
وسياراتهم مفككة..
وممتلكاتهم معروضة للبيع في الأسواق.
🤨 بل إن بعض الروايات والشهادات المتداولة تتحدث عن أشخاص وجدوا مقتنياتهم وملابسهم وأثاثهم داخل منازل جيراناً لهم..
أي امتحان أخلاقي أعظم من هذا؟!
📖 قال رسول الله ﷺ:
«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»
قيل: من يا رسول الله؟
قال:
«الذي لا يأمن جاره بوائقه»
متفق عليه.
🛑 والأخطر من السرقة نفسها..
أن بعض الناس أصبحوا يتعايشون معها وكأنها أمر طبيعي.
يسرق جاره..
ثم يذهب إلى المسجد.
يبيع متاع النازحين..
ثم يقف في الصف الأول.
ينشر الكذب والبهتان..
ثم يتحدث عن الدين والفضيلة.
📖 قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
سورة الصف: 2-3
🛑 ومن الظواهر التي تدق ناقوس الخطر كذلك..
تكرار الأخبار عن أطفال حديثي الولادة يتم العثور عليهم في الشوارع أو في أماكن مهجورة أو في ظروف مأساوية.
😔 وهذه ليست مجرد أخبار عابرة..
بل مؤشرات على حجم التفكك الاجتماعي والأسري والنفسي الذي أصاب المجتمع خلال سنوات الحرب.
فالطفل هو الحلقة الأضعف دائماً..
وعندما يصبح الأطفال أنفسهم ضحايا للضياع والإهمال..
فإن المرض يكون قد وصل إلى أعماق المجتمع.
🛑🧐🫵 وفي الجهة الأخرى من المشهد..
بينما يعيش ملايين السودانيين أوضاعاً مأساوية بين النزوح واللجوء والجوع وفقدان المأوى..
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور حفلات الغناء الصاخبة..
وحفلات الزواج الباذخة..
ومظاهر الترف والاستعراض والإسراف.
🤨 ليس المقصود تحريم الفرح على الناس.
ولكن السؤال:
أين الإحساس بالمأساة العامة؟!
وأين الشعور بمعاناة الملايين الذين فقدوا كل شيء؟!
📖 قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
سورة الأنعام: 141
وقال رسول الله ﷺ:
«كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة»
رواه النسائي.
👾 خارج السودان..
فقد خرج ملايين اللاجئين السودانيين بحثاً عن الأمان..
وغالبية هؤلاء أناس شرفاء أجبرتهم الحرب على الرحيل..
لكن بين هذه الجموع خرج أيضاً أصحاب سوابق ومجرمون وانتهازيون وهاربون من العدالة فارون من السجون ..
واختلط هؤلاء بغيرهم.
فكانت النتيجة أن أفعال قلة من الناس أصبحت تشوه صورة الملايين.
🤔 وما الذي تراه المجتمعات المستضيفة؟!
هي لا ترى الفرد..
بل ترى الصورة العامة.
ولذلك فإن خطأ شخص واحد قد يدفع ثمنه آلاف الأبرياء.
🛑 وإذا أردنا تشخيص المرض الحقيقي..
فإنه ليس مجرد فقر.
وليس مجرد نزوح.
وليس مجرد حرب.
بل هو انهيار منظومة القيم نفسها.
حين يصبح الكذب مهارة.
والسرقة تجارة.
والاحتكار ذكاءً.
والنهب غنيمة.
والسلاح وظيفة.
والخداع وسيلة للنجاح.
فهنا نكون أمام أزمة أخلاقية كاملة الأركان.
📖 قال رسول الله ﷺ:
«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت»
رواه البخاري.
🛑 ولهذا فإن إصلاح السودان لن يبدأ بإعادة إعمار الخرطوم فقط.
ولن يبدأ بإعادة بناء الجسور والمطارات والمستشفيات فقط.
بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان نفسه.
إعادة بناء الضمير.
إعادة بناء الأمانة.
إعادة بناء الرحمة.
إعادة بناء معنى الجوار.
إعادة بناء معنى مراقبة الله.
📖 قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
سورة الرعد: 11
🎭🪾 كثيراً ما يسألني بعض المشفقين من الاهل والاصدقاء :
🤔 لماذا تكتب؟!
🤔 ولماذا تنصح؟!
🤔 وما الفائدة من مخاطبة قوم لا يريدون أن يسمعوا؟!
ويقول لي بعضهم:
إنك تخاطب أمواتاً لا قلوب لهم!!
فأقول:
الكاتب أو الناصح أو الداعية لا يملك هداية الناس..
لكنه يملك أن يقول كلمة الحق وأن يؤدي ما يراه واجباً عليه..
لعل هذا هو ديدن المصلحين في كل زمان.
ولعل هذا هو ديدن الأنبياء والرسل عليهم السلام..
فكم من نبي دعا قومه سنوات طويلة فلم يؤمن معه إلا القليل.
وكم من رسول يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان..
وكم من رسول يأتي يوم القيامة وليس معه أحد..
كما ثبت ذلك في صحيح السنة.
ولنا في رُسل الله أسوة حسنة..
فنوح عليه السلام لبث في قومه قرابة ألف عام يدعوهم..
ولوط عليه السلام ظل يناصح قومه رغم ما كان يراه من فسادهم..
ولم يكن الأنبياء مسؤولين عن النتائج..
بل كانوا مسؤولين عن البلاغ.
📖 قال الله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾
سورة الغاشية: 21-22
🌿 دعونا نبذل النصيحة..
دعونا نذكر الناس…
النصيحة:
إن لم ينتفع بها الجميع..
فربما إنتفع بها شخص واحد..
وإن لم ينتفع بها اليوم أحد..
فربما إنتفع بها غداً.
النصيحة، وإن لم تغير مجتمعاً كاملاً..
فلعلها تغير قلباً واحداً..
🫵أحياناً..
يبدأ إصلاح الأمم كلها من قلبٍ واحدٍ إستجاب للحق.
😔وأرجو ألا نصل يوماً إلى الحال التي وصفها القرآن على لسان نبي الله نوح عليه السلام بعد قرون من الدعوة والإصلاح:
📖 ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾
😔 السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق..
ولا إلى مزيد من تجار الحرب..
ولا إلى مزيد من تجار الدين والسياسة..
بل يحتاج إلى النصيحة وصحوة ضمير..
ويحتاج إلى ثورة أخلاقية قبل أي ثورة سياسية..
الأوطان لا تدمرها الحروب وحدها..
وإنما يدمرها اليوم الذي يصبح فيه الفساد أمراً عادياً في تلك المجتمعات
ويصبح عندهم صُنَّاع الخراب آلهة و كهنة وشهداء
بينما دعاة السلام والحكم الراشد: قحاطةً وأنجاسٌ مناكيد ‼️
يموت الوطن فينا ، حين يصبح الشخص الصالح الطاهر متهماً و مكروهاً بين أهله وقومه وبني وطنه..
فذلك ذروة الفساد
وذروة الإنحطاط !!
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
#السودان
#الحرب_السودانية
#الأخلاق
#تجار_الحرب
#النازحون
#اللاجئون
🪾

زر الذهاب إلى الأعلى