أذكر ـ والشيء بالشيء يُذكر ـ أن إحدى دول المغرب العربي شهدت، في العقود الأخيرة من الألفية الماضية، تشكيلًا وزاريًا تم فيه دمج وزارتي الداخلية والإعلام تحت إدارة وزير واحد. يومها خرجت إحدى الصحف المعارضة ساخرة من ذلك الدمج الذي يجمع بين ما يشبه البيضة والحجر، فنشرت رسمًا كاريكاتيريًا يُظهر اللافتة المعلقة على واجهة الوزارة وقد عُدِّلت بعد كشط كلمة «الإعلام» لتصبح:
(وزارة الداخلية والإعدام)
ولا أدري ما كان مصير ذلك الرسام الجريء، ولا ما آل إليه أمر تلك الصحيفة المغامرة.
خطرت ببالي تلك المفارقة وأنا أستمع إلى الوزير الشاب خالد الإعيسر وهو يتحدث عن إنجازاته ذات الأبعاد الأربعة، وهو الذي لم تُعرف له من قبل خبرة في تولي الحقائب الوزارية أو المسؤوليات الدستورية على أي مستوى.
فقد أُوكلت إليه أربع حقائب وزارية دفعة واحدة عقب سحب صفة الناطق الرسمي باسم الحكومة منه، وهي المهمة التي تُسند عادة إلى وزير الإعلام في كثير من دول العالم.
وبذلك أصبح الوزير مكلفًا بوزارات الإعلام والثقافة والآثار والسياحة في بلد يعيش حربًا تقتضي ظروفها أن يكون وزير الإعلام شخصية ذات خبرة متميزة ومنطق حكيم، قادرة على أداء دور رأس الرمح في المعركة الإعلامية، واستقطاب الدعم والتأييد لرواية الحكومة وهي تخوض حربًا وصفها قادة الدولة أنفسهم بأنها حرب مصيرية؛ فإما أن يخرج السودان منها موحدًا ومتماسكًا، وإما أن تذهب ريح وحدته إذا كانت الغلبة لغير القوات المسلحة.
فما المغزى من وضع كل هذا البيض في سلة وزير يُعرف بالنشاط والحيوية أكثر مما يُعرف بالخبرة في إدارة حتى ملف الإعلام وحده، لا سيما بعد تجريده من أهم أدوات تلك المرحلة، وهي صفة الناطق الرسمي باسم الحكومة؟
هل المقصود هو التقليل من أهمية هذه الحقائب من باب ترشيد الإنفاق، وكأن الجهات العليا تقول إن الإعلام لم يعد ذا أولوية في بلد أصبح فيه صوت البندقية أعلى من صوت المنطق والإقناع؟ ذلك الصوت الذي لن يجعل طيور السياحة تحط في أرض ما زالت سماء أجزاء واسعة منها ملبدة بدخان المعارك.
وما أهمية الآثار، والحاضر نفسه يتحول إلى أطلال، بينما تتعرض البنية التحتية للتدمير، ويغدو مستقبل الوطن بأسره في مهب الاحتمالات؟
ثم ما الضير من أن يتعلم الوزير الإعيسر الحلاقة في رؤوس شعبنا، وقد كاد الشعر يتساقط أصلًا من فرط الحيرة تجاه ما يجري في بلادنا من تخبط، ومن غياب رؤية واضحة تخرجها من نفق محنتها المظلم؟
والله من وراء القصد، وهو المستعان على بلوانا ومصيبتنا.
أ



