إن سلطة الأمر الواقع الحاكمة حاليًا، بوجهها العسكري الشاحب ووجهها المدني المطموس المعالم، وقد بلغت من التخبط مبلغًا جعلها تخاطب الشعب بالمزيد من الدعوات إلى الصبر على أزمات متراكبة؛ أمنية واقتصادية واجتماعية، وتحثه في الوقت نفسه على العودة إلى وطن تتراجع فيه مقومات الحياة الكريمة إلى أدنى مستوياتها، إنما تقدم بذلك اعترافًا ضمنيًا بحقيقة واحدة من الوجهة الأخلاقية قبل السياسية: الفشل، ولا شيء غير الفشل.
فعقب اندلاع هذه الحرب اللعينة، عملت السلطة على تعبئة الرأي العام بشعارات من قبيل “حرب الكرامة”، وأصبحت عبارة “بل بس” مرادفة لتكبيرات التفاؤل بالنصر. وقد نجحت بالفعل، في ذلك الوقت، في الحصول على توقيع شعبي على صك تأييد مفتوح على بياض.
غير أن المقارنة بين تلك الحالة من الحماس الجماهيري العارم وبين ما يسود اليوم من فتور وإحباط تكشف حجم التحول الذي طرأ على المزاج العام. ومن هنا، ينبغي لهذه السلطة أن تدرك أن تكرار الحديث عن أن ما يحيق بالوطن من أزمات يتم “بفعل فاعل”، وكأن المطلوب إعفاء منظومة الحكم من المسؤولية، لم يعد مقنعًا لكثيرين.
فبينما تتصاعد الشكاوى من ضيق المعيشة وتردي الخدمات وانسداد الأفق، تظل رائحة الفساد تتسرب من أكثر من موضع داخل أروقة السلطة، وهو أمر لم يعد يقتصر الحديث عنه على خصومها ومعارضيها، بل تجاوزه إلى بعض أشد مؤيديها وأنصارها. كما أن حالة الغضب الشعبي أخذت تتصاعد تدريجيًا، متجاوزة حاجز الخوف في أكثر من مدينة، بعد أن بلغ التدهور في الخدمات الأساسية حدًا لا يحتمل.
إن ما يفقد أي سلطة شرعيتها، في أي بلد كان، ليس ما يصدر بحقها من تصنيفات أو مواقف خارجية، أياً كان مصدرها. فكما أن الكونجرس الأمريكي لا يملك أن يمنح سلطة شرعية حقيقية يرفضها شعبها، فإنه كذلك لا يستطيع أن ينزع شرعية تستند إلى إرادة الناس وثقتهم.
ولعل خير دليل على ذلك أن أية قوة في العالم لا تستطيع أن تختطف رئيس دولة من غرفة نومه إذا كان محاطًا بمحبة شعبه ومحميًا بثقته. فالشعوب، حين تؤمن بقياداتها، تتحول إلى حصون منيعة تسد بالمناكب كل الطرق المؤدية إليها.
ولهذا، فإن على حكامنا اليوم، وقد بلغت القلوب الحناجر وضاقت بالناس سبل العيش، أن يدركوا أن فقدان ثقة “الكونجرس الشعبي الداخلي” أخطر عليهم من أي إدانة أو تصنيف خارجي. فهذه الثقة هي السند الحقيقي لأي حكم، وهي رأس المال السياسي الذي إذا تبدد، لم تغنِ عنه أدوات السلطة ولا مظاهر القوة.
كما أن سياسات الترقيع الاقتصادي، غير المدروسة العواقب، لن تجدي نفعًا في ظل استمرار حرب تأكل أخضر البلاد ويابسها، وتستنزف ما تبقى من مواردها المحدودة، وتمتص شرايين اقتصادها الواهنة.
ومن يعجز عن حمل المسؤولية، أو يعجز عن سلوك طريق السلام، وهو أقصر الطرق وأقلها كلفة من كل طرق الحرب، فإن الأجدر به أن يقر بفشله قبل أن تُنتزع منه السلطة انتزاعًا، وتعود الأمانة ـ ولو منقوصة ـ إلى أهلها، أو يجد نفسه مخطوفًا، حقيقة أو مجازًا، على حين غرة من أمره.
والله من وراء القصد.



