الأعمدة

هواجس النظام المصري* *من عودة الدكتور عبدالله حمدوك*

محمود سيد احمد محمود
*تشير تقارير صحفية وتحليلات
*هواجس النظام المصري*
*من عودة الدكتور عبدالله حمدوك*
*تشير تقارير صحفية وتحليلات إقليمية اطلعتُ عليها مؤخراً إلى بروز هواجس عميقة، بل حالة ارتعاد حقيقية، داخل أروقة النظام المصري من سيناريو عودة الدكتور عبد الله حمدوك إلى سدة السلطة عبر حكومة مدنية يسندها الشارع الثوري الواعي والقوي. فالقلق المصري لا ينبع من عودة شخص حمدوك فحسب، بل من أن دولة حمدوك المدنية ستستأنف مع القاهرة من نقطة الحوار السيادي الذي قطعه انقلاب 25 أكتوبر، وتعيد فتح الملفات المسكوت عنها: حلايب وشلاتين وأبو رماده، وملفات الصادرات السودانية إلى مصر، وملفات سد النهضة و ملفات استعادة اتفاقيات مياه النيل الشائكة. فلماذا يُمثّل حمدوك مصدر قلق استراتيجي للحكومة المصرية؟*
يحظى الدكتور عبد الله حمدوك بمظلة دعم ثوري داخل عظيم و دعم دولي راسخة ومتجذرة، باعتباره أحد أبرز رموز ثورة ديسمبر المجيدة وأيقونة “الجناح المدني التكنوقراطي” الذي يحظى بدعم معلن وقوي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. إن عودته المحتملة إلى واجهة المشهد السياسي تعني، من منظور تحليلي، استعادة قناة شرعية دولية نافذة لا تدين بالولاء ولا تخضع للحسابات الأمنية-العسكرية الضيقة التي طالما راهنت عليها القاهرة. وبعبارة أكثر دقة، ستجد مصر نفسها مرغمة على التعامل مع السودان عبر المسار الاستراتيجي “الخرطوم-واشنطن”، لا عبر القناة التقليدية “الخرطوم-القاهرة” التي اعتادت امتلاك مفاتيحها.
*2. الهاجس الأمني: شبح “الدولة المدنية” يخيّم على التخوم الجنوبية لشمال الوادي*
تنظر القاهرة بعين الريبة العميقة والحذر الاستراتيجي إلى أي تجربة حكم مدني ناجح في جوارها المباشر، باعتبارها تهديداً ضمنياً خطر و عظيم يضرب في صميم شرعية نموذج النظام السياسي القائم. وحمدوك يجسد بامتياز ثلاثة محاذير استراتيجية تثير قلق صانع القرار المصري وتؤرق مضجعه.
*أولاً*: كونه رئيس وزراء مدنياً أفرزه حراك شعبي ثوري جارف، فهو يعيد بعث الروح بقوة في المقولة التي تؤكد أن الشارع قادر على فرض بديل مدني راشد. وهذا هو الهاجس الوجودي الذي يلازم النظام المصري منذ تداعيات 2011 و2013.
*ثانياً*: يمتلك حمدوك شبكة علاقات دولية متينة وراسخة مع العواصم الغربية، ما يمنحه القدرة الفائقة على استقطاب التمويل الضخم والضغط الدولي المؤثر، متجاوزاً بذلك المحور المصري-الإماراتي التقليدي ومفككاً احتكاره لملفات السودان.
*ثالثاً*: موقفه المبدئي الصارم الرافض لعسكرة الفضاء السياسي يتقاطع جذرياً مع العقيدة المصرية الراسخة التي تفضل حكماً عسكرياً أو شبه عسكري يضمن ما تسميه “الاستقرار الصلب” على حدودها الجنوبية الحيوية.
إن عودة حمدوك تفتح الباب على مصراعيه أمام احتمال قيام سودان مدني مستقر ومزدهر اقتصادياً بسرعة الصاروخ. وهذا بحد ذاته يخلق “نموذجاً مضاداً” ملهما على بعد 300 كيلومتر فقط من أسوان، يفنّد بقوة السردية الأحادية القائمة على المقايضة الزائفة بين الاستقرار والديمقراطية.
*3. الملفات السيادية المفتوحة: من حلايب وشلاتين و ابورماده إلى مياه النيل*
الهاجس المصري الأعمق أن حكومة حمدوك المدنية لن تبدأ من الصفر، بل ستستأنف من حيث توقف الحوار الوطني قبل انقلاب 25 أكتوبر. وهذا يعني إعادة فتح ملفات بالغة الحساسية كانت القاهرة تعتبرها محسومة أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
*أولاً: مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد*: ملف السيادة الذي جُمّد تفاوضياً لعقود. حكومة مدنية تستند لشرعية شعبية ودولية قادرة على تحريك هذا الملفات في المحافل القانونية والدبلوماسية، وهو ما ينسف سياسة الأمر الواقع التي تراهن عليها القاهرة.
*ثانياً: ملفات الصادرات السودانية إلى مصر*: من الدهب و القمح و الثروة الحيوانية واللحوم إلى الصمغ العربي والسمسم و غيرها من الثروات الزراعة. حمدوك كان قد بدأ مراجعة جذرية لاتفاقيات التبادل التجاري المختلة التي تهدر مليارات الدولارات على الخزينة السودانية. عودته تعني استئناف هذه المراجعة بغطاء شعبي ودولي.
*ثالثاً: معضلة المياه وسد النهضة*: تشير التسريبات الدبلوماسية التي تناولتها تقارير متخصصة إلى تحرك مصري “عاجل وحثيث نحو محمد بن زايد”. اختيار الإمارات لم يأتِ اعتباطاً، فهي لاعب مالي ضخم وثقيل في السودان وتمتلك نفوذاً معتبراً ومتشعباً لدى طرفي الصراع الرئيسيين.
تاريخياً، تبنى حمدوك مقاربة “تفاوضية متوازنة ومستقلة” في ملف سد النهضة المصيري، ولم يصطف اصطفافاً كاملاً مع الرؤية المصرية. ففي عام 2020 رفض بصلابة الانخراط المنفرد في اتفاق واشنطن الذي دعمته القاهرة بقوة، وتمسك بحزم بمسار ثلاثي سيادي يشمل الخرطوم وأديس أبابا. من منظور القاهرة الاستراتيجي، يظل حمدوك “ورقة غير مضمونة” في معركة المياه الوجودية، بينما تضمن القيادات العسكرية تنسيقاً أمنياً وثيقاً ومباشراً يخدم المصالح المصرية العليا دون مساءلة.
*4. إعادة تموضع الإمارات وتقاطع المصالح الإقليمية المتشابكة*
طلب السيسي من بن زايد “تدخلات كبيرة” وتوسل صريح في إبعاد و”إقصاء حمدوك نهائياً”، وفق ما أوردته مصادر مطلعة، يفضح تخوفاً عميقاً وقلقاً وجودياً من احتمالية إبرام صفقة إماراتية-أمريكية تتجاوز القاهرة. أبوظبي تسعى إلى استقرار سريع وحاسم في السودان لحماية استثماراتها الاستراتيجية الهائلة في الذهب والموانئ والقطاع الزراعي. وحمدوك يمثل لها خياراً براغماتياً مقبولاً ومربحاً لأنه يفتح أبواب التمويل والشرعية الدولية على مصراعيها.
*الهاجس المصري الجوهري هنا:*
ما يلحظه المراغب الآن من استبعاده الدور المصري من الرباعية هوا طلب رسمي من تخالف صمود و التي اقرته الإدارة الأمريكية وابعدت الدور المصري نهائيا لذلك تحركات السيسي المحمومه تؤكد مشروع الإدارة الأمريكية و الرباعية في استعادة السلطة المدنية
لذلك ذهب السيسي
يتوسل الي الشيخ محمد بن زايد
لاستبعاد الدكتور عبدالله حمدوك نهائيًا من المشهد
لذا يأتي التحرك “العاجل” كمناورة استباقية محمومة لضمان أن أي تسوية خليجية قادمة لا يجب ان لاتعيد إنتاج حمدوك في المعادلة الإقليمية.
*الخلاصة: ثلاثية التخوف المصري الاستراتيجي*
1. *فقدان زمام المبادرة والسيطرة:* حمدوك لا يمر عبر البوابة المصرية ولا يستأذنها. شرعيته مستمدة من الشارع الثوري الواعي السوداني ومن المجتمع الدولي، لا من تفاهمات ثنائية أمنية مغلقة.
2. *عدوى النموذج الملهم:* أي نجاح مدني باهر في الخرطوم ينسف من الأساس السردية الرسمية المصرية القائمة على ثنائية “الاستقرار مقابل الديمقراطية” ويحرجها إقليمياً ودولياً.
3. *فتح الملفات السيادية الحاكمة:* من حلايب وشلاتين وأبو رماده إلى الصادرات ومياه النيل والبحر الأحمر والمعابر الحدودية الحساسة، يضمن العسكر تنسيقاً أمنياً يصب مباشرة في صالح القاهرة، بينما سيضع حمدوك هذه الملفات المصيرية على طاولة تفاوض إقليمية مفتوحة تخضع لموازين المصالح المشتركة والسيادة الوطنية لا للإملاءات الأحادية.
٤. الشعب شعب أقوى
٥. والردة مستحيلة
٦. *الترس الخليل*

زر الذهاب إلى الأعلى