حين سقطت الأخلاق… سقطت الدولة لماذا سقط مشروع الإنقاذ والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في السودان؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 14 يونيو 2026م
🤔 كثير من الناس عندما يتحدثون عن سقوط نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تجدهم ينشغلون بالبحث عن الأسباب السياسية والعسكرية والاقتصادية
فيقول بعضهم إن العقوبات الدولية هي السبب
ويقول آخرون إن الأزمة الاقتصادية هي السبب
ويقول غيرهم إن المعارضة السياسية أو التدخلات الخارجية أو المؤامرات الدولية هي السبب
لكنني أعتقد أن كل هذه العوامل ـ على أهميتها ـ ليست سوى أعراض لمرض أعمق
أما المرض الحقيقي الذي أصاب هذا المشروع منذ سنواته الأولى ثم أخذ ينخر فيه حتى أسقطه من أعين الناس قبل أن يسقطه من السلطة فهو:
🛑 السقوط الأخلاقي ‼️
نعم…
السقوط الأخلاقي الشامل
ذلك السقوط الذي بدأ مبكراً جداً ثم استمر في التمدد عاماً بعد عام حتى ابتلع المشروع كله.
🧭 ابن خلدون وسنن سقوط الدول
قبل أكثر من ستة قرون جلس العالم والمؤرخ/عبد الرحمن بن خلدون يتأمل في مصائر الدول والإمبراطوريات التي ملأت الدنيا سلطاناً ثم اختفت
فخرج بنتيجة عظيمة ما زالت حية حتى اليوم
وهي أن الدول لا تموت فجأة
ولا تسقط بسبب ضربة واحدة
ولا تنهار بسبب مؤامرة واحدة
بل تبدأ رحلة السقوط من داخلها
حين يفسد أهل السلطة
وحين تتحول الدولة من مشروع يخدم الناس إلى مشروع يخدم نفسه
وحين تتآكل القيم التي قامت عليها في الأصل
وحين يصبح البقاء في السلطة أهم من المبادئ التي جاءت من أجلها.
ولذلك لم يكن ابن خلدون ينظر إلى سقوط الدول باعتباره حادثة سياسية
بل كان يراه نتيجة طبيعية لمسار طويل من التدهور الأخلاقي والاجتماعي.
🧭 من أين بدأ الانهيار؟!
حين استولت جماعة الحركة الإسلامية على السلطة في عام 1989 بعد أن إنقلب الجيش علي حكومة منتخبة بواسطة الشعب، لم تقدم جماعة الحركة نفسها باعتبارها حزباً سياسياً عادياً
بل قدمت نفسها باعتبارها مشروعاً أخلاقياً ودعوياً وحضارياً
وكانت تتحدث عن الشريعة الإسلامية
وعن الصدق
وعن الأمانة
وعن النزاهة
وعن العدل
وعن بناء الإنسان قبل بناء الدولة
🫵ولهذا..
فإن تقييم تجربة حكم نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية يجب أن يبدأ من هنا
فالجماعة التي رفعت راية الأخلاق لا يجوز أن تُحاسب بمعيار الاقتصاد فقط
ولا بمعيار السياسة فقط
بل تُحاسب أولاً بمعيار الأخلاق التي جاءت باسمها.
🧭 متى سقطت جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية ؟!
في تقديري أن الحركة الإسلامية لم تسقط في ذلك اليوم من شهر أبريل 2019
وإنما ذلك اليوم كان مجرد إعلان رسمي للوفاة
أما الوفاة الحقيقية فقد وقعت قبل ذلك بسنوات طويلة.
لقد سقطت يوم بدأ الناس يرون التناقض بين الشعار والممارسة
وسقطت يوم أصبح الكذب مقبولاً إذا كان يخدم التنظيم
وسقطت يوم أصبح الظلم مبرراً إذا كان يحمي السلطة
وسقطت يوم أصبح الفساد مغفوراً إذا كان مرتكبه من أهل الولاء
وسقطت يوم أصبح الانتماء الحزبي مقدماً على الكفاءة والأمانة
وسقطت يوم صار النقد خيانة
والنصيحة مؤامرة
والاختلاف عداءً.
🧭 السقوط من قلوب الناس
إن أخطر ما حدث للحركة الإسلامية ليس أنها فقدت السلطة
ولا أنها فقدت المال
ولا أنها فقدت النفوذ
وإنما أنها فقدت شيئاً أخطر من ذلك كله
فقدت الثقة الأخلاقية.
لقد كان السوداني البسيط ( مثلي) ينظر إلى ذلك المسلم المنتمي للحركة الإسلامية باعتباره أكثر صدقاً وأمانة وورعاً من غيره من المسلمين..
لكن سنوات الحكم الطويلة والتجرية المريرة الفاشلة الظالمة لجماعة مايسمي بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض قد أكلت كل ذلك الرصيد المعنوي المزيَّف شيئاً فشيئاً
حتى أصبح الناس ينظرون اليوم إلى الجماعة بعين الشك بعد أن كانوا يوماً ما ينظرون إليها بعين الاحترام.
وهنا كانت الكارثة الحقيقية.
لأن الجماعات السياسية تستطيع أن تعوض المال
وتستطيع أن تعوض النفوذ
وتستطيع أن تعوض الهزائم
لكنها إذا فقدت رصيدها الأخلاقي فإن استعادته تصبح من أصعب الأشياء ‼️
🧭 لماذا خرج الناس في ديسمبر؟!
الذين يظنون أن السودانيين خرجوا فقط بسبب الخبز والوقود لا يقرأون المشهد كاملاً.
نعم…
كان هناك ضيق اقتصادي
وكان هناك غلاء
وكان هناك فشل اقتصادي واضح
لكن الشعوب كثيراً ما تصبر على الفقر
أما ما لا تصبر عليه فهو الشعور بالخديعة.
لقد شعر ملايين السودانيين أن المشروع الذي وعدهم بالإصلاح قد أصبح هو سبب الأزمة
وأن الجماعة التي جاءت لمحاربة الفساد أصبحت هي أُسُّ وصانعة الفساد
وأن المشروع الذي جاء باسم الدين أصبح عاجزاً عن تقديم اي نموذج أخلاقي يليق بالبني آدم ناهيك عن الدين الإسلامي الذي رفعوه شعاراً.
🧭 من ديسمبر إلى اليوم: الي المجزرة ثم الإنقلاب ثم الحرب العبثية ‼️
ثم جاءت السنوات التالية كاشفة ومؤلمة لحقيقة أخلاق جماعة الحركة الإسلاموية وعناصرها سواء المدنيين او العسكريين..
جاءت أحداث ديسمبر 2018
ثم جاءت بعدها مجزرة فض اعتصام القيادة العامة
ثم جاءت أحداث 25 أكتوبر 2021
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 المدمرة
ثم تتابعت مشاهد القتل والنزوح والانتهاكات والخراب وتمزق الوطن منذ 15 أبريل 2023 الي يومنا هذا من يونيو 2026 ‼️💢
ومع كل محطة من هذه المحطات كان يتأكد لكثير من السودانيين أن الأزمة لم تكن أزمة حكومة..
ولا أزمة رئيس..
ولا أزمة أشخاص..
بل هي أزمة منهج كامل وصل إلى نهاياته الطبيعية.
🧭 سنة الله التي لا تتبدل
القرآن الكريم حين تحدث عن سقوط الأمم لم يربطه بقلة المال ولا بقلة السلاح
بل ربطه بالفساد الأخلاقي والظلم.
📖 ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس: 13)
📖 ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)
ولهذا فإن الذي أسقط مشروع الإنقاذ في نهاية المطاف لم يكن خصومه بقدر ما كانت أفعاله نفسها.
فالسنن الإلهية لا تحابي أحداً.
ولا تستثني أحداً.
ولا تعفي أحداً لأنه رفع شعاراً دينياً.
🧭 فرفرة المذبوح وخروج الروح
🤨 قد ينظر بعض الناس إلى ما يجري اليوم فيظنون أن الحركة الإسلامية استعادت قوتها
أو أنها عادت إلى الحياة من جديد
لكن التاريخ يعلمنا شيئاً مختلفاً.
فالكائن المحتضر قد تكون حركته الأخيرة أعنف من كل ما سبقها.
والجسد المذبوح قد يرفرف بعنف بينما تكون الروح في طريقها إلى المغادرة.
ولهذا فإن ما نشهده منذ ديسمبر 2018 مروراً بفض الاعتصام ثم 25 أكتوبر ثم حرب 15 أبريل 2023 وما تلاها حتى يونيو 2026 لا أراه دليلاً على عودة المشروع إلى الحياة
بل أراه ـ في تقديري ـ مظاهر الأزمة الأخيرة لمشروع استهلك كل رصيده الأخلاقي والسياسي والتاريخي.
فالذي فقد ثقة أغلب شعبه
وفقد رصيده الأخلاقي
وفقد قدرته على إقناع الأجيال الجديدة
لا تنقذه البنادق
ولا تنقذه الشعارات
ولا تنقذه أجهزة الإعلام.
لأن الأرواح لا تعود إلى الأجساد بعد مغادرتها.
🧭 والخلاصة
إن الإنقاذ لم تسقط لأنها هُزمت سياسياً فقط
ولا لأنها فشلت إقتصادياً فقط
ولا لأنها واجهت خصوماً أقوياء فقط
بل لأنها فقدت الشيء الذي قامت عليه منذ البداية
🧐🫵 وهو :
الأخلاق
وحين تسقط الأخلاق…
يسقط المشروع
ويسقط التنظيم
ويسقط الحزب
وتسقط الدولة
ولو امتلكت ألف شعار وألف منبر وألف بندقية وألف فيلق وميليشيا.. ‼️
📖 ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس: 14)
وهذا هو السؤال الذي أبقاه القرآن مطروحاً و مفتوحاً أمام كل جماعة وكل حزب وكل حاكم:
🧐🫵 سننظر كيف تعملون؟!
#السودان #الحركة_الإسلامية #المؤتمر_الوطني #سنن_التاريخ #ابن_خلدون #ثورة_ديسمبر



